اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فرصة الرجوع إلى الله للشيخ : سعيد بن مسفر


فرصة الرجوع إلى الله - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن من نعم الله العظيمة علينا أن جعل لنا مواسم نعرض فيها أنفسنا على الكتاب والسنة، ونراجع أنفسنا فيما بيننا وبين خالقنا جل وعلا.ومن هذه المواسم التي وهبها الله لهذه الأمة شهر رمضان بما يحمله من رحمات، وما يحويه من أحكام تجعل المسلم راغباً في الرجوع إلى ربه، والأوبة إلى خالقه وباريه.وهذا الموسم على ما فيه من المزية والفضل إلا أنه لا يخلو من الأخطاء التي يرتكبها البعض من إسراف في المآكل والمشارب، والسهر في غير ما طاعة، والتكاسل عن السعي في طلب الرزق بحجة الصيام والقيام، وغيرها من الأخطاء التي جرى التنبيه إليها في هذه المادة.
فضل شهر رمضان وأهميته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبق فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما.اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وأعنا على طاعتك وعلى شكرك وذكرك وحسن عبادتك، واصرفنا يا مولانا عن السيئات والمعاصي والذنوب، فإنه من تقِ الذنوب والمعاصي والسيئات فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم.
 رمضان دورة تدريبية للمؤمنين
وهو أيضاً دورة تدريبية إلزامية للمؤمنين على العمل الصالح، يلزم الله عباده المؤمنين بأن يدخلوا ضمن هذه الدورة التدريبية التي مدتها شهر، يتدربون فيها على الصيام، ويتدربون فيها على القيام، ويتدربون فيها على الإنفاق، ويتدربون فيها على الصبر والتحمل وكظم الغيظ، ويتدربون فيها على حفظ أسماعهم؛ لأنهم صائمون، فكيف يصوم ويسمع الأغاني؟! ويتدربون فيها على حفظ أبصارهم، كيف يصومون ويطلقون أبصارهم في الحرام؟! ويتدربون فيها على حفظ ألسنتهم، إذ كيف يسوغ لهم أن يصوموا عن الحلال ويفطرون بألسنتهم على الغيبة والنميمة، والكذب واللعن، والسب والشتم وشهادة الزور؟ وهذه أصلها حرام قبل الصوم وفي رمضان صارت أشد حرمة! وبهذه الدورة التدريبية يطبع المسلم نفسه على أخلاق أهل الإيمان فلا ينتهي رمضان إلا وهو متدرب، ويبدأ بعد رمضان حياة الإيمان متكاملة، هذا هو الذي قبل الله صيامه أن يكون حاله بعد رمضان أعظم منه قبل رمضان، دورة تدريبية إلزامية.
فرض الصوم والحكمة من ذلك

 فهم الناس لرمضان على غير مراده
المصيبة أن الناس فهموا رمضان على غير مراده، فهموه بغير الطريقة التي أرادها الله منهم، ففهموه أنه شهر أكل، وشهر مطاعم ومشارب، وشهر تفنن في تنويع الأكلات، ولذا ترون التجار يستغلون هذه الموسم فيجلبون البضائع والأنواع التي تطلب منهم في رمضان ويعرضونها. انظر الآن أمام الدكاكين؛ كل تاجر يعرض المكرونة والشعيرية والعصيرات والكريمات وهذه الأصناف التي تشترى منهم في رمضان، ويأتي الرجل في أول رمضان، بدلاً من أن يشعر بأن من واجباته أن يخفض المصروفات، فإذا كان يستغرق في كل شهر ذبيحة واحدة، فبحكم دخول رمضان ينبغي أن تخفف الذبيحة إلى ذبيحة إلا ثلث، لأن الوجبات كانت في الماضي ثلاث وجبات، وفي رمضان تصبح وجبتين (عشاء وسحور) فالفطور لا يحسب؛ لأنه تمرة وفنجان قهوة لكن الآن بدلاً من أن كانت الذبيحة واحدة في الشهر صارت في رمضان ثلاث ذبائح، يعني: ليتنا جعلنا رمضان مثل شعبان وشوال، لكنا زدنا على رمضان أضعاف ما يحتاجه رمضان، وبعد ذلك ليست ذبيحة واحدة وإنما ذبائح من الغنم، ومن الدجاج، ومن الأسماك، ومن الطيور، وبعد ذلك من جميع ما لذ وطاب مما منح الله العباد من الأرزاق.
مخالفة الناس لآداب رمضان

 السهر وصرف الأوقات في غير الطاعة
يبقى شيء ثالث تعوّده الناس في رمضان وهذا خطأ وهو: ليالي رمضان المباركة، ليالي القيام وليالي التراويح، وليالي العلم، وليالي الزيارة وصلة الرحم، وليالي العبادة وقراءة القرآن؛ هذه تحولت في زمان المسلمين إلا من رحم الله إلى ليالي ميتة، ليالي خبيثة، تملأ بالسهر القاتل، وباللهو الباطل على الورق، وعلى (الشيش)، وعلى الدخان، وعلى (الكيرم)، وعلى (الضومنة)، وعلى الأفلام -والعياذ بالله- وعلى المسلسلات، وعلى اللعن والشتم والسب والقصص الفارغة، حتى إن بعضهم ليستعد لرمضان من قبل دخوله بتشكيل (البشكات)، يقول: والله نريد نعمل لنا (بشكة)، لماذا ؟ قال: (رمضان كريم) نريد نسمر لنحيي ليالي رمضان، وهو في الحقيقة لا يحييها وإنما يميتها.
برنامج مقترح لاستغلال رمضان استغلالاً صحيحاً
إن إحياء ليالي رمضان لا يكون إلا بطاعة الله عز وجل، وحتى يكون المسلم على بصيرة من أمره فإنا نضع له برنامجاً إن شاء الله إذا سار عليه في رمضان فإنه يكون من الصائمين الصادقين المخلصين.
 البرنامج الليلي بعد التراويح
وبعد التراويح يجب أن تنظم وقتك مع بعض إخوانك في الله، فتشكل لك مجموعة من أربعة أو خمسة أو ستة نفر أو ثمانية بقدر الحاجة وبقدر الموجودين وبعد ذلك تقول: نحن نريد أن نحيي ليالي رمضان، كيف برنامج هذه الليلة؟ بعد الوصول إلى صاحب البيت الذي فيه الجلسة أو السمرة يقدم القهوة والشاي ولا بأس بنوع من المشروبات الخفيفة، وبعد ذلك يدار المصحف ويخرج كل شخص منكم مصحفه وتبدءون من سورة: ق، من المفصل، سورة ق تقرأ كلها تلك الليلة، وبعد قراءتها يطلب من الشيخ الفاضل ابن كثير رحمه الله -وهو جالس في المكتبات بستين ريال أو بخمسين ريال- نقول له: يا ابن كثير ! نريد أن تعلمنا تفسير هذه الآيات، فيأخذ واحد منه التفسير ويقرأ علينا تفسير ابن كثير لهذه السورة، تستغرق هذه الحصة نصف ساعة أو ساعة إلا ربع، بعدها هات الماء يا ولد، أو هات حليب، أو شاهي، أو مشروب من أجل ينوعون. وبعدها درس في الفقه، يؤتى بكتاب الفقه وليكن الروض المربع أو زاد المستقنع أو المغني إذا كانوا من الطلبة الكبار الذين فيهم تبحر في العلم، وتبحث مسائل، ولنبدأ من باب الطهارة، من تقسم المياه، من باب الآنية، كيف نتوضأ؟ كيف نغتسل من الجنابة؟ أحكام الغسل، هذه مجهولة عند كثيرٍ من الناس، حتى عند بعض طلبة العلم لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة وكيف يبدأ وكيف ينتهي، نتعلم درساً من الفقه لمدة نصف ساعة أو ساعة إلا ربع، فإذا انتهينا منه نأخذ درساً في التوحيد، نأخذ كتاب فتح المجيد الذي هو حق الله على العبيد، أو نأخذ كتاب الإيمان للشيخ/ عبد المجيد الزنداني ، أو نأخذ من كتب التوحيد التي هي مجموعة كتب الشيخ الدكتور/ عمر سليمان الأشقر ، الإيمان بالله والملائكة والبعث والآخرة والكتب والرسل، موجودة هذه الكتب كلها وأظنها بخمسين ريالاً أو ستين ريالاً، أكثر من ثمانية كتب نقرأ في هذه. بعد ذلك فرغنا منها نقول: هاتوا درساً من السيرة العطرة، فنأخذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نبدأ بمولده صلى الله عليه وسلم، والليلة الثانية نأخذ كيف بعث، بعد ذلك نأخذ الغزوات؛ لأن السيرة لذيذة وشيقة، وتأخذ فيها أحسن كتاب أدلكم عليه هو سيرة ابن هشام ، سيرة ابن هشام رحمه الله أربعة أجزاء في مجلدين تقرءونها، بإذن الله تجدون فيها من العذوبة كأنك في أعظم روضة في ليلتك، انتهيت من درس التوحيد والفقه والحديث والتفسير في نحو الساعة الثانية عشرة، فلا تطل السهر إلى الساعة أربعة أو ثلاثة، لماذا؟ لأن لأهلك عليك حقاً إن كنت متزوجاً، أو لنفسك عليك حقاً إن كنت عزباً لترتاح، أو لدروسك وواجباتك عليك حقاً إن كنت طالباً، فلا بد أن تعطي الحقوق كاملة، أما أن تسمر حتى ييبس رأسك، ثم تملأ بطنك وتنام، ولا تصلي الفجر في المسجد فهذه مصيبة، بل تذهب إلى البيت لتنام مبكراً حتى الساعة ثلاثة أو ثلاثة ونصف ثم تستيقظ، وبعد الاستيقاظ تتوضأ وتصلي ركعتين، بعض الناس يقول: ما هاتان الركعتان، نقول: هذه ركعتان في جوف الليل خيرٌ من الدنيا وما عليها، ليس لها علاقة بالإمساك ولكنها من قيام الليل، وما دام قمت والله عز وجل أقامك إلى السحور فعليك أن تحمد الله على هذه النعمة وتذهب تتوضأ وما هناك كلفة عليك يا أخي.احمد الله، كان الأولون إذا أرادوا أن يتوضئوا ينزلون من البيت ولا توجد لهم حمامات ويذهب إلى الحوش ويلقى الجوحل (والجوحل إناء فخاري) أو قربة قد صار الماء فيها ثلجاً وتوضأ، وبعد ذلك خرج لأنه لا يوجد حمام في البيت وتوضأ، ورجع والهواء يلفحه ويقطعه، وأرجله حافية وما عنده (فازلين) وليس له حذاء ولا ثياب ويذهب يصلي، لكن أنت الآن في نعمة ليس بعدها نعمة، تستيقظ من نومك وتقوم من غرفتك وتخرج فتجد الحمام، وتجد المغسلة، وتفتح الصنبور فينزل عليك الماء الحار المحمى من الليل من أين ينزل الماء؟ من الجن، كما قد قلت لكم مرة: شخص من أهل تهامة طلع إلى (السراة)، ويوم أن وصل عند صاحب (السراة) فأدخله الحمام ليتوضأ، فيفك الصنبور وإذا به ينزل الماء من الجدر ساخناً، فصرخ، قال: ماذا بك؟ قال: ماء حار من الجدر، فما صدق، لأنه لم يشاهد (طباخة) ولم يشاهد (دافوراً) ولم يشاهد شيئاً، أين (الطباخة) و(الدافور) لا توجد؟ لكنها معلقة في الحمام وتنزل لك ماءً حاراً، تتوضأ وتنشط، ثم تدخل في غرفتك بدون هواء وبدون مشكلة وتفرش سجادتك وتصلي ركعتين لربك، فربما لا يثقل ميزانك عند الله يوم القيامة إلا هاتان الركعتان، ما فيها والله تعب عليك، وبعد ذلك تأتي إلى سحورك وتتناول ما تيسر منه، ثم بعد السحور تذهب إلى المسجد كما قلنا. هذا هو البرنامج الإيماني الذي نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يقوله ويعمله، أنا لا أدري أطبقه أم لا، لكن ربما تستفيدون مني أكثر من أن أستفيد من نفسي، ولكن أعوذ بالله أن أكون ممن يقولون ما لا يفعلون؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]. هذا ملخص عن شهر رمضان الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يبلغنا إياه، وأن يتقبله منا، وأن يعيننا وإياكم على صيامه وعلى قيامه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحكام تتعلق بالصيام
ولا بد من إلمامة بسيطة من بعض الأحكام المتعلقة بالصيام حتى يكون الصائم على فقه من دينه.
 أعذار الفطر وأحكامها
أما بعض الأحكام المتعلقة بالناس في رمضان، يعني الناس ليسوا كلهم على وتيرة في فرضيته وإنما يتفاوتون بتفاوت أحوالهم ومناسباتهم. فالصوم واجب وفرض على كل مسلم بالغٍ عاقلٍ قادرٍ مقيم، وبهذه الخمس التعريفات يخرج من المحترزات أصناف منها: المحترز الأول: أن الكافر لا يصوم، ولو صام لم يقبل منه، وإذا أسلم لا يقضي الذي فاته؛ لأن التوبة والإسلام يجب ما قبله، إذ يشترط فيمن يصوم أن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام هو أساس كل عمل.الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد، وسن الرشد يعرف بواحدة من ثلاثة أشياء: إما بالإنبات، أو بالاحتلام، أو ببلوغ الخامسة عشرة، ومن بلغ خمس عشرة سنة أو أنبت أو احتلم فقد بلغ، ووجب عليه الصوم، وإذا لم يصم فمعناه أنه ترك ركناً من أركان الإسلام، لكن الصغير يعود عليه، ويدرب من الصغر، من السبع سنوات يدرب يوم في رمضان هذا يصوم يومين أو ثلاثة أو أربعة فيأتي رمضان القادم فيصوم أسبوعاً وعمره إذا كان ثمان سنوات يصوم عشرة أيام وهكذا كما قالت عائشة رضي الله عنها: [كنا نلهي الصبيان باللعب حتى يفطروا في المغرب] فكونك تدربه فعل حسن لأن بعض الناس يقول: لا أريد أذبح الولد، فالولد يريد يصوم لكن يصيح أبوه، يقول له: أفطر يا بني -سبحان الله- تذبحه يوم يصوم لرب العالمين، لا إذا صام في صحته وفي عافيته إن شاء الله فهو تدريب على الخير فقوِ فيه هذه الروح ولا تحبطها فيه ولا تخذله.المجنون لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام؛ لأنه غير مكلف، وإذا فاق وعاد إليه رشده وعقله فإنه يصوم من وقته ولا يقضي ما فاته لارتفاع التكليف عنه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق).العاجز عن الصوم بسبب كبرٍ، أو بمرضٍ لا يرجى برؤه، وقرر الأطباء المسلمون أن الصيام مضرٌ به، فإن هذا يسقط عنه الصوم ولكنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، فإن كان عاجزاً لا يستطيع حتى الإطعام سقط عنه الإطعام والصيام، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى.المريض الذي يمرض مرضاً طارئاً وقتياً، فهذا يفطر ولكنه يقضيه بعد أن يمن الله عليه بالشفاء للآية الكريمة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] يعني: فعدة ما أفطرت من أيام أخر بعد رمضان.الحامل التي في بطنها جنين، أو المرضع التي ترضع جنينها ويترتب على صيامها ضرر عليها أو على جنينها، فإنها تفطر، وتصوم بعد أن تضع أو بعد أن تفطم هذا الولد، وفرق أهل العلم فقالوا: إن كانت تخاف على جنينها أو على ولدها فإنها تفطر وتطعم إذا قضت، أما إذا خافت على نفسها فإنها تصوم ولا تطعم، ولكن المحققين من أهل العلم يقولون: لا دليل على التعزيز بالإطعام، وإنما إذا أفطرت فإن عليها القضاء ولا كفارة مع ذلك، وإنما هي من اجتهادات أهل الفقه رحمهم الله تعالى.الحائض والنفساء لا تصومان ولكن تقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة بعد رمضان.الذي يضطر اضطراراً بالغاً للإفطار مثل: إنقاذ غريق، إنسان مسلم سوف يموت في البحر، وهذا يريد ينقذه، ولكنه لا يستطيع أن ينقذه إلا إذا كان متزوداً بشيء من الإمكانيات فهذا يجوز له أن يفطر من أجل إنقاذ هذا الإنسان، وقد نص على هذا أهل العلم، وقاسوا عليه من يكون مستعداً لإخراج الدم لإنقاذ حياة مريض، مريض وقع له حادث مروري وقالوا: إذا لم يوجد دم الآن سوف يموت هذا الإنسان، فيعطيهم ويفطر، فهذا مضطر لأن يفطر، لأنه أنقذ إنساناً من الموت بإذن الله عز وجل.أما المسافر فإنه مخير بين الصوم وبين الإفطار بحسب ما يتيسر له، فإن كان الإفطار أيسر له فعليه أن يأتي بهذه الرخصة؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وإذا كان الصيام في حقه أفضل فيتبع ما شاء، لأن بعض الناس تجده يسافر للعمرة وفي الطريق يجوع ويعطش، وأولاده يجوعون ويعطشون ولكنه يرفض أن يفطر، وهذا إذا كان عليه مشقة فإنما يرد رخصة الله، ويريد غير ما أراد الله؛ لأن الله يقول: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] فكأنك أنت بالصيام تريد لنفسك العسر والله يريد بك اليسر، فما دام الله سمح لك فلماذا تشق على نفسك يا أخي؟! أفطِر، ويضرب أهل العلم مثالاً: لو أن عندك عاملاً في مزرعتك ودخلت عليه وهو صائم ويشتغل في المزرعة، فلما رأيت عرقه يتصبب وجهده واضحاً أشفقت عليه فقلت له: يا فلان! قف من الشغل واذهب فما بقي من النهار فهو إجازة، إذا وضع المسحاة وشكر لك وقال: الله يجزيك خيراً، يكون أحب إلى نفسك من أن يستمر ويقول: والله لا أتوقف إلا وقت الغروب، ما رأيك أنت تقول: الله لا يعينك، ما دام رحمناك وأبيت فالزم مكانك، ولله المثل الأعلى، الله يرحمك ويقول: إذا كنت في سفر وعليك مشقة ولحقك ضرر، وأردت لنفسك يسراً بما يسر الله عليك من الإفطار فلا تختر لنفسك عسراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يومٍ من الأيام وهو في سفرٍ؛ ومن الصحابة من كان صائماً، قال: (ما صنع العصاة؟) سماهم العصاة وقال للذين أفطروا: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ولكن بحكم أن وسائل السفر اليوم عندنا بفضل الله تغيرت عن وسائل الماضي وأصبح الإنسان يسافر بالطائرة أو بالسيارة فهو مخير بين الإفطار والصيام بحسب ما يتيسر له من دون أن يلحق بنفسه مشقة. أحد الناس قال لي: أنا سوف أذهب آخذ عمرة، والعمرة سنة، فكيف أذهب آتي بعمرة وأضيع فريضة؟! قلت له: لا تأخذ عمرة، لو أردت أن تسافر إلى جدة تشتري قطعة غيار لسيارتك هل يجوز أن تفطر؟ قال: نعم. قلت: كيف تذهب تأخذ قطعة غيار لسيارتك وتضيع فريضة، الفريضة أهم أو قطعة سيارتك؟! فسكت الرجل، فالقضية ليس أنك ذاهب تأخذ عمرة أو غيرها، بل ما دمت في سفر والسفر حدده العلماء فقالوا: إما أن يكون سفراً واجباً، أو سفر طاعة، أو سفر مباح، أما سفر المعاصي فللعلماء فيه كلام، كمن يسافر ليفطر، مثل الأعرابي الذي دخل عليه رمضان قالوا: جاء رمضان، قال: والله لأبددن شمله بالأسفار، قال: أريكم فيه كل يوم أنا في أرض، من أجل يفطر كل يوم، هذا لا يفطر، لماذا؟ لأنه متى يقضي والعياذ بالله؟أو سفر معصية، كمن يسافر من هنا فيخرج إلى خارج المملكة ليشرب الخمور أو ليزني، فهذا لا يفطر؛ لأنه سوف يذهب يستعين بهذا الإفطار على معصية الله -والعياذ بالله- فشرط أن يكون السفر سفر طاعة أو سفراً مباحاً كعلاج أو دراسة أو بيع أو شراء، أو زيارة، أو سياحة أو تمشية، فإنه يجوز لك أن تفطر فيه إذا لحقت بك المشقة.
فوائد تتعلق بالصوم
هذه بعض الفوائد المتعلقة بالصيام وهي مهمة جداً: يجوز للصائم أن يصبح جنباً من احتلامٍ أو من إتيانٍ لأهله ثم يقوم يتسحر ويعقد نية الصيام ثم يغتسل ويذهب يصلي في المسجد، إذ أن الطهارة لا تشترط للإمساك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً فيتسحر ويغتسل ويذهب يصلي.أيضاً إذا طهرت المرأة في رمضان قبل الفجر فعليها أن تصوم وإن لم تغتسل، يعني: لو طهرت وانقطع دمها مع الإمساك وما وسعها الوقت لتغتسل فتعقد نية الصيام وتصوم، ولا تغتسل إلا بعد ذلك على مهلها إن شاء الله بحيث تدرك وقت صلاة الفجر.يجوز للصائم أن يدهن نفسه ورأسه بالدواء مثل الفكس، فيجوز أن تضعه في رأسك وظهرك، لكن لا تدخله داخل الأنف، ويجوز قلع الضرس، ومداواة الجرح، والتكحل في العين، والتقطير في العين والأنف والأذن، ولا يفطر بذلك حتى ولو أحس بطعمه في حلقه؛ لأنها ليست منافذ للطعام.يجوز أيضاً للصائم أن يتسوك في نهار رمضان من أول النهار وآخره لحديث: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك في نهار رمضان يقول: لا أحصي مرات ما رأيته صلوات الله وسلامه عليه).أيضاً إذا كان الإنسان في منطقة حارة وشعر بالحرج والحر فإنه يجوز له التبرد بالماء، كأن يدخل في الحمام ويفتح الدش عليه ليبرد، أو يأخذ ماء ويصبه على الفراش وينام عليه، لا شيء في هذا، وهذا لا يؤثر على صومه.يجوز للصائم إذا كان مريضاً بالربو أن يبخ في فمه هذا البخاخ، ولا علاقة له؛ لأنه ليس طعاماً ولا شراباً، أو في حكمهما، وإنما هو هواء مثل الأكسجين، بل هو أكسجين مضغوط، فإذا تناوله بفمه إذا كان عنده ربو فلا شيء عليه ولا يؤثر بإذن الله.يسن للصائم أن يؤخر السحور إلى قبل الفجر، وأن يعجل الفطور بعد غروب الشمس، ويفطر على رطبٍ فإن لم يجد فعلى ماء.أيضاً يجب على الصائم أن يكمل صيامه بابتعاده عن المحرمات؛ خصوصاً الغيبة والنميمة، واستماع الأغاني، والنظر المحرم والسب والشتم، ويجب عليه أن يحافظ على الواجبات مثل الصلوات الخمس ويؤديها جماعة في المسجد، ومثل الإكثار من قراءة القرآن والتلاوة وفعل الخير، وزيارة الرحم والصدقات في هذا الشهر المبارك. هذا ونسأل الله عز وجل التوفيق والهداية، والقبول لنا ولكم ولسائر المسلمين.
 أعذار الفطر وأحكامها
أما بعض الأحكام المتعلقة بالناس في رمضان، يعني الناس ليسوا كلهم على وتيرة في فرضيته وإنما يتفاوتون بتفاوت أحوالهم ومناسباتهم. فالصوم واجب وفرض على كل مسلم بالغٍ عاقلٍ قادرٍ مقيم، وبهذه الخمس التعريفات يخرج من المحترزات أصناف منها: المحترز الأول: أن الكافر لا يصوم، ولو صام لم يقبل منه، وإذا أسلم لا يقضي الذي فاته؛ لأن التوبة والإسلام يجب ما قبله، إذ يشترط فيمن يصوم أن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام هو أساس كل عمل.الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد، وسن الرشد يعرف بواحدة من ثلاثة أشياء: إما بالإنبات، أو بالاحتلام، أو ببلوغ الخامسة عشرة، ومن بلغ خمس عشرة سنة أو أنبت أو احتلم فقد بلغ، ووجب عليه الصوم، وإذا لم يصم فمعناه أنه ترك ركناً من أركان الإسلام، لكن الصغير يعود عليه، ويدرب من الصغر، من السبع سنوات يدرب يوم في رمضان هذا يصوم يومين أو ثلاثة أو أربعة فيأتي رمضان القادم فيصوم أسبوعاً وعمره إذا كان ثمان سنوات يصوم عشرة أيام وهكذا كما قالت عائشة رضي الله عنها: [كنا نلهي الصبيان باللعب حتى يفطروا في المغرب] فكونك تدربه فعل حسن لأن بعض الناس يقول: لا أريد أذبح الولد، فالولد يريد يصوم لكن يصيح أبوه، يقول له: أفطر يا بني -سبحان الله- تذبحه يوم يصوم لرب العالمين، لا إذا صام في صحته وفي عافيته إن شاء الله فهو تدريب على الخير فقوِ فيه هذه الروح ولا تحبطها فيه ولا تخذله.المجنون لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام؛ لأنه غير مكلف، وإذا فاق وعاد إليه رشده وعقله فإنه يصوم من وقته ولا يقضي ما فاته لارتفاع التكليف عنه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق).العاجز عن الصوم بسبب كبرٍ، أو بمرضٍ لا يرجى برؤه، وقرر الأطباء المسلمون أن الصيام مضرٌ به، فإن هذا يسقط عنه الصوم ولكنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، فإن كان عاجزاً لا يستطيع حتى الإطعام سقط عنه الإطعام والصيام، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى.المريض الذي يمرض مرضاً طارئاً وقتياً، فهذا يفطر ولكنه يقضيه بعد أن يمن الله عليه بالشفاء للآية الكريمة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] يعني: فعدة ما أفطرت من أيام أخر بعد رمضان.الحامل التي في بطنها جنين، أو المرضع التي ترضع جنينها ويترتب على صيامها ضرر عليها أو على جنينها، فإنها تفطر، وتصوم بعد أن تضع أو بعد أن تفطم هذا الولد، وفرق أهل العلم فقالوا: إن كانت تخاف على جنينها أو على ولدها فإنها تفطر وتطعم إذا قضت، أما إذا خافت على نفسها فإنها تصوم ولا تطعم، ولكن المحققين من أهل العلم يقولون: لا دليل على التعزيز بالإطعام، وإنما إذا أفطرت فإن عليها القضاء ولا كفارة مع ذلك، وإنما هي من اجتهادات أهل الفقه رحمهم الله تعالى.الحائض والنفساء لا تصومان ولكن تقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة بعد رمضان.الذي يضطر اضطراراً بالغاً للإفطار مثل: إنقاذ غريق، إنسان مسلم سوف يموت في البحر، وهذا يريد ينقذه، ولكنه لا يستطيع أن ينقذه إلا إذا كان متزوداً بشيء من الإمكانيات فهذا يجوز له أن يفطر من أجل إنقاذ هذا الإنسان، وقد نص على هذا أهل العلم، وقاسوا عليه من يكون مستعداً لإخراج الدم لإنقاذ حياة مريض، مريض وقع له حادث مروري وقالوا: إذا لم يوجد دم الآن سوف يموت هذا الإنسان، فيعطيهم ويفطر، فهذا مضطر لأن يفطر، لأنه أنقذ إنساناً من الموت بإذن الله عز وجل.أما المسافر فإنه مخير بين الصوم وبين الإفطار بحسب ما يتيسر له، فإن كان الإفطار أيسر له فعليه أن يأتي بهذه الرخصة؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وإذا كان الصيام في حقه أفضل فيتبع ما شاء، لأن بعض الناس تجده يسافر للعمرة وفي الطريق يجوع ويعطش، وأولاده يجوعون ويعطشون ولكنه يرفض أن يفطر، وهذا إذا كان عليه مشقة فإنما يرد رخصة الله، ويريد غير ما أراد الله؛ لأن الله يقول: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] فكأنك أنت بالصيام تريد لنفسك العسر والله يريد بك اليسر، فما دام الله سمح لك فلماذا تشق على نفسك يا أخي؟! أفطِر، ويضرب أهل العلم مثالاً: لو أن عندك عاملاً في مزرعتك ودخلت عليه وهو صائم ويشتغل في المزرعة، فلما رأيت عرقه يتصبب وجهده واضحاً أشفقت عليه فقلت له: يا فلان! قف من الشغل واذهب فما بقي من النهار فهو إجازة، إذا وضع المسحاة وشكر لك وقال: الله يجزيك خيراً، يكون أحب إلى نفسك من أن يستمر ويقول: والله لا أتوقف إلا وقت الغروب، ما رأيك أنت تقول: الله لا يعينك، ما دام رحمناك وأبيت فالزم مكانك، ولله المثل الأعلى، الله يرحمك ويقول: إذا كنت في سفر وعليك مشقة ولحقك ضرر، وأردت لنفسك يسراً بما يسر الله عليك من الإفطار فلا تختر لنفسك عسراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يومٍ من الأيام وهو في سفرٍ؛ ومن الصحابة من كان صائماً، قال: (ما صنع العصاة؟) سماهم العصاة وقال للذين أفطروا: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ولكن بحكم أن وسائل السفر اليوم عندنا بفضل الله تغيرت عن وسائل الماضي وأصبح الإنسان يسافر بالطائرة أو بالسيارة فهو مخير بين الإفطار والصيام بحسب ما يتيسر له من دون أن يلحق بنفسه مشقة. أحد الناس قال لي: أنا سوف أذهب آخذ عمرة، والعمرة سنة، فكيف أذهب آتي بعمرة وأضيع فريضة؟! قلت له: لا تأخذ عمرة، لو أردت أن تسافر إلى جدة تشتري قطعة غيار لسيارتك هل يجوز أن تفطر؟ قال: نعم. قلت: كيف تذهب تأخذ قطعة غيار لسيارتك وتضيع فريضة، الفريضة أهم أو قطعة سيارتك؟! فسكت الرجل، فالقضية ليس أنك ذاهب تأخذ عمرة أو غيرها، بل ما دمت في سفر والسفر حدده العلماء فقالوا: إما أن يكون سفراً واجباً، أو سفر طاعة، أو سفر مباح، أما سفر المعاصي فللعلماء فيه كلام، كمن يسافر ليفطر، مثل الأعرابي الذي دخل عليه رمضان قالوا: جاء رمضان، قال: والله لأبددن شمله بالأسفار، قال: أريكم فيه كل يوم أنا في أرض، من أجل يفطر كل يوم، هذا لا يفطر، لماذا؟ لأنه متى يقضي والعياذ بالله؟أو سفر معصية، كمن يسافر من هنا فيخرج إلى خارج المملكة ليشرب الخمور أو ليزني، فهذا لا يفطر؛ لأنه سوف يذهب يستعين بهذا الإفطار على معصية الله -والعياذ بالله- فشرط أن يكون السفر سفر طاعة أو سفراً مباحاً كعلاج أو دراسة أو بيع أو شراء، أو زيارة، أو سياحة أو تمشية، فإنه يجوز لك أن تفطر فيه إذا لحقت بك المشقة.
الأسئلة

 حكم ترك المؤذن أو الإمام المسجد لحضور محاضرة
السؤال: ماذا تقول في بعض الأئمة والمؤذنين الذين يحرصون على حضور هذه الندوة ولكنهم يتركون مساجدهم؟الجواب: نقول لهم: إن طلب العلم فريضة، ولكن قيامهم بالواجب أفرض إلا أن يوكلوا، فإذا كنت أوكلت أذانك إلى من تبرأ به الذمة وأوكلت إمامتك إلى من تبرأ به الذمة فلا حرج أن تأتي إلى طلب العلم، أما إذا كنت تعرف أنه لا أحد يؤذن في المسجد ولا أحد يصلي بهم فأنت مؤتمن على تلك الوظيفة فلا تتركها، فقيامك بالواجب أفضل وأولى، وبإمكانك أن تشتري الشريط بخمسة ريال وتسمعه أنت وأهلك. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فرصة الرجوع إلى الله للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net