اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أهوال القبر للشيخ : سعيد بن مسفر


أهوال القبر - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ في بداية الدرس عن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما يناقض هذه المحبة من الابتداع، مثل بدعة المولد النبوي التي لم يقم عليها دليل من كتاب أو سنة ولا من فعل الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان، ثم ساق أدلة تحريم هذه البدعة. ثم تحدث عن القبر وأهواله وفظاعته، وإكثار النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته من تذكر الموت والقبر الذي هو أول منازل الآخرة.وفي القبر فتنة سؤال منكر ونكير التي لا يتجاوزها إلا من ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
محبة الرسول عليه الصلاة والسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الإخوة في الله! أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، نجد ثوابه إن شاء الله يوم الوقوف بين يدي الله عز وجل. قبل أن أبدأ في موضوع الدرس أحب أن أشير بالمناسبة إلى شيء اعتاد الناس أن يفعلوه في مثل هذه الأيام على اعتبار أنه دين وليس بدين. كلكم يعلم أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم دين يدين المسلم به لله عز وجل، وأنه قربة من أعظم القرب، وأن بغضه أو كراهيته أو بغض شيء مما جاء به صلوات الله وسلامه عليه، كفر بدين الله مخرج لصاحبه من الملة، فقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته نواقض الإسلام، أن من ضمن النواقض: بغض الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بغض شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ولو عمل بهذا الأمر ولكنه من قرارة نفسه يبغضه أو يكرهه، فإنه يكفر ولو عمل به؛ لأن الله عز وجل يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36].محبة النبي صلى الله عليه وسلم قربة وطاعة ومن أعظم الطاعات، بأبي وأمي هو صلى الله عليه وسلم معلم البشرية، ومنقذ الإنسانية، والذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، فصلوات الله وسلامه عليه، صلاة دائمة متتابعة ما تتابع الليل والنهار.
 محبة أهل البدع للرسول محبة زائفة
إن من يحتفلون بمولده صلوات الله وسلامه عليه هم أهل البدعة والخرافة والتضليل، يحتفلون ويقيمون السرادقات، ويضيئون الأنوار، ويأكلون الحلوى، وينشدون الأشعار والمديح والتغني فيه، ثم يخرجون وينسونه إلى أن يأتي مثل هذا اليوم من السنة المقبلة، لا يحيون سنته، ولا يرومون طريقته، ولا يتبعون هديه، وإذا جاء الاحتفال احتفلوا به، وإذا أنكر عليهم وقيل لهم: هذه بدعة، قالوا: نحن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم وأنتم تكرهونه ولا تحبونه ولذا لا تحتفلون بمولده، أما نحن فنحبه. نقول لهم: خسئتم والله، بل أنتم أعداؤه، أنتم لا تحبونه؛ لأن من كان يحبه فليسر في هديه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران:31] فماذا؟ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ [آل عمران:31] نحن نحبه أشد حباً: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] ومن محبة الله محبة رسوله صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: -الأولى- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) ويقول عليه الصلاة والسلام يوماً لصحابته: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين) فيقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعرف وزن الكلمة وقيمتها، ليس إنساناً مغالطاً، أو يقول الكلام على عواهنه، قال: (والله يا رسول الله! إنك أحب إليَّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين إلا من نفسي) لا يعرف الكذب، ولا التملق، قال: (لا يا عمر -حتى الآن ما آمنت- حتى أكون أحب إليك من نفسك) فلما وازن وقارن بين ما يمكن أن يربحه إذا أحبه أكثر من نفسه وهي الجنة، وبين ما يمكن أن يخسره إذا لم يحبه أكثر من نفسه فقال: (والله لأنت أحب إلي يا رسول الله! من نفسي وأهلي ومالي والناس أجمعين، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن يا عمر، الآن يا عمر) اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.فهؤلاء المبتدعة يبتدعون في الدين ما لم يأذن به الله، ويوردون ديناً على الناس وليس بدين، وقد ذكر علماء الإسلام أن عملهم هذا محرم، ولا يجوز إقراره، ويجب إنكاره، ولا يجوز السكوت عليه، بل ينبغي من درس التوحيد، وعرف هدي السلف، ثم ذهب إلى أي بلاد من هذه البلاد، وعلم بأنه يقام مثل هذا الاحتفال في هذه البلاد بأن ينصحهم ويعظهم؛ لأننا نعرف ونسمع أن هناك من خفافيش الظلام من لا يستطيعون أن يظهروا في الضوء، فهم يعيشون في الظلام ببدعتهم. سألني شخص هذا اليوم، قال لي: متى يوافق اليوم الثاني عشر بالضبط؟ قلت: لماذا؟ قال: أريد أن أصوم هذا اليوم، قلت: ولم؟ قال: لأنه مولد النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: هل أمرك أن تصومه؟ قال: لا. قلت: هل صامه خلفاؤه الراشدون؟ قال: لا. قلت: هل صامه سلف هذه الأمة؟ قال: لا. قلت: من أمرك؟ قال: الناس عندنا يصومون هذا اليوم في باكستان ، قلت: سبحان الله! تأخذ دينك من الناس، هذا دين لا يؤخذ إلا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا تصم هذا اليوم، وإن صمته على أنه قربة فأنت آثم ولست بمأجور؛ لأنك تبتدع بدعة أعظم في الدين من ثواب هذا اليوم الذي تريد أن تتقرب به وليس بقربة.
أدلة تحريم بدعة المولد
يقول علماء الإسلام: إن هذا العمل محرم لأدلة شرعية كثيرة، منها ثمانية أدلة:
 منكرات الموالد والشرك الحاصل فيها
الدليل الثامن: يقع في تلك الاحتفالات من المنكرات والعظائم ما لا يعلمه إلا الله، وأعظم ما يقع فيها الشرك بالله، فإنهم في تلك الاحتفالات يتصورون أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر، وبينما هم في المديح، والأدعية، والثناء، وهز الرءوس والتطريب يقولون: اسكتوا! وتقدم الحلاوة والذبائح والأكلات والبسطات، وبعد ذلك يقولون: جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقومون قياماً، ويرخون رءوسهم، وينعقون ويبدءون في تقديم الدعاء، يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: يا مفرج الكروب، يا قاضي الحاجات، يا شافي الأمراض.الله أكبر! لا إله إلا الله! يشرك برب الأرض والسماوات، وهذا هو الذي نزل من أجله الكتاب، وشرع من أجله الجهاد، وبعثت من أجله الرسل؛ أن يدعى الله وحده، والله يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18].والنبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابي الذي قال له: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! قل ما شاء الله وحده) (ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي ولكن يقول: فتاي وفتاتي) والله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] هذا الرسول وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:65-67] سبحانه وتعالى عما يشركون علواً كبيراً، فيدعون الرسول صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء نقول لهم بمنطق العقل: إذا كان في أكثر بقاع العالم هذه الاحتفالات، وكلهم يزعم أن الرسول جاء، فكيف انقسم عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل كل حفل من احتفالاتهم؟!! كيف قام ووصل إلى كل هؤلاء، وخرج من عند هؤلاء في خلال ساعة، أو في يوم، أو في ليلة واحدة؟!! أهذا كلام يعقل؟ سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم ميت صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] وقال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:34-35] هو ميت ولكنه حي، كأكمل حياة الشهداء، حياة برزخية، ليست حياة مثل حياتنا، حياة بزرخية كأكمل حياة الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، وهو لا يخرج من قبره ولا يعلم ما يحدث في أمته من بعده، ولهذا يوم القيامة يوم تذاد مجموعة من الأمة عن الحوض فيقول: (أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لا زالوا يرجعون عن دينهم القهقرى، فأقول: بعداً بعداً، وسحقاً سحقاً) وأقول كما يقول العبد الصالح: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117] إلى آخر الآيات.فهذه المنكرات يحصل فيها الشرك بالله، بالإضافة إلى الإسراف، والتبذير في إقامة الولائم، ونصب السرادقات، وإضاءة الأضواء، وإهلاك الأموال في هذا الأمر الذي لم يأذن به الله، ولم يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يسعنا -أيها الإخوة- إلا ما وسع السلف [ومن كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تأمن فتنته].ونقول للناس الذين يبتدعون هذا: لو كان خيراً لسبقنا إليه صحابة رسول الله وسلف هذه الأمة، وما لم يسبقونا إليه فليس بدين، وما لم يكن في عهدهم دين فلن يكون في عهدنا دين، فقد ضيع هؤلاء أكثر دين الله، ثم يحدثون فيه ما ليس من دين الله، فنريد -أيها الإخوة- أن نعرف هذا الأمر على حقيقته، وأن نعرف أدلة رده حتى إذا ما ناقشنا مبتدع، أو جاء ليضللنا ضال؛ لأن كثيراً من المسلمين -فقهنا الله وإياهم بالدين- بحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وبفطرتهم السليمة، إذا جاءهم مبتدع وسوغ لهم هذا الأمر، ربما ينطلي عليهم، وربما بدافع الحب للنبي صلى الله عليه وسلم يصنعون هذا الأمر وهم لا يشعرون، فنريد أن يعي إخواننا، وهم بدورهم ينقلون هذا إلى كل من يسمعون أنه يحدث مثل هذه البدعة، ويقولون له: هذا ليس بدين، بل هي بدعة، والبدعة طريق الشرك. فأَقَلّ بدعة كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم: أعظم عند الله من أعظم كبيرة من كبائر الذنوب، يعني: البدعة الصغيرة أعظم من كبيرة الخمر والزنا، لماذا؟ قالوا: لأن صاحب الخمر والزنا يرجو أن يتوب، لكن صاحب البدعة يحسب أنه على هدى، ولا يفكر أن يتوب أبداً؛ لأنه يدعو إلى بدعته، والعياذ بالله! هذا -أيها الإخوة- ما أردت أن أذكره لكم كبداية في هذه الجلسة.
القبر وأهواله
أما موضوعنا الذي سوف نواصل البحث فيه، فهو عن القبر وفظاعته وأهواله، نسأل الله عز وجل أن يخفف عنا وعنكم في تلك اللحظات الحرجة.
 ضمة القبر وضغطته
ضمة القبر ثبتت بالأحاديث الصحيحة، وثبتت مع من كان من أكابر الصحابة، والذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، واهتز له عرش الرحمان، ونزل سبعون ألف ملك يشيعون روحه، وأيضاً مات شهيداً في سبيل الله، والشهداء في المراتب التي تلي مراتب الأنبياء، وبالرغم من هذا ضغطه القبر.والعلماء يحققون في هذا، يقول الإمام الذهبي : وليست ضغطة القبر التي تعرض لها سعد بن معاذ رضي الله عنه من عذاب القبر في شيء؛ لأنه مشهود له بالجنة، ومن أهل الجنة، فلا يتصور أن يضغطه القبر عذاباً، ولكن قالوا: إن ضغطة القبر وألم الضغطة الذي تعرض لها سعد، وسوف يتعرض لها كل إنسان، هي من نوع الألم الذي يجده الإنسان عند الموت مثل الحشرجة، والألم الذي يجده الإنسان عند المرض والجوع ووخز الإبرة، هذه كلها آلام تأتي للجسد.
قصة إسلام سعد .. وجوانب من سيرته
إذا وضع المؤمن في القبر، وفي الظلمة يحصل له ضمة، لكنها ليست عذاباً، إذ أن سعداً ليس من أهل العذاب، فهو مشهود له بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام، ومن كبار الصحابة، وأسلم مع السابقين، وكان إسلامه فتحاً ونصراً للإسلام والمسلمين؛ لأنه أسلم على يد مصعب بن عمير ، وكان مصعب بن عمير أول سفير يرسله الرسول صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى الله، فأرسله إلى المدينة، وجلس يعلم بعض رجالها، فلما سمع سعد بن معاذ به أرسل إليه أسيد بن حضير، قال: أسكته، فإن سكت وإلا فأت برأسه -ليس عندهم لعب- فذهب إليه، فقال له: اسكت، قال: اسمع ما نقول: فإن أعجبك وإلا كففنا عنك، قال: لقد أنصفت، فقرأ عليه من القرآن، فلما انتهى، قال: ماذا يقول من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قال: إني ذاهب إلى زعيم القوم، فاصدق الله فيه فإنه إن يُسلِم تُسلم المدينة كلها، يقول: أي ادعو الله أن يهديه، أدعوه بإخلاص وبيقين وبصدق.فذهب إلى سعد بن معاذ وقال له اذهب أسكته أنت، فغضب سعد، وكأنه استشف أن مصعباً رفض أنه يسكت، فأخذ حربته وسيفه وقدم على مصعب يريد قتله، فقال له: تسفه الأحلام وتغوي الأبناء، اسكت، قال له: يا هذا اسمع ما نقول، فإن أعجبك ما نقول وإلا كفننا عنك -وكانوا عقلاء، عندهم إنصاف- قال له: لقد أنصفت، فجلس عنده، وسمع منه ما سمع من القرآن الكريم، فقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم رجع، ثم جاء إلى قومه قال: ما أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال: فكلامكم وطعامكم وشرابكم عليّ حرام إن لم تأمنوا بمثل ما آمنت به، فما أمسى بيت من بيوت عبد الأشهل إلا وقد دخله الإسلام في تلك الليلة.هذا إنسان عظيم من كبار الصحابة، كان في الجاهلية صديقاً لـأمية بن خلف ، وكان أمية بن خلف زعيم الكفار وصنديداً من صناديدهم، إذا ذهب إلى الشام يمر على المدينة فيجلس عند سعد ؛ لأنه زعيم الأوس، وكان إذا اعتمر سعد بن معاذ أو ذهب إلى مكة لزيارة الحرم والطواف بالبيت على طريقة الجاهليين يجلس عند أمية، فبعد أن أسلم سعد ذهب إلى مكة ليعتمر، ونزل عند أمية صديقه، فلما نزل عنده قال: ما جاء بك؟ قال: جئت معتمراً، قال: اجلس حتى يضحي النهار ويخف الناس -يقول: ما أريد أن تطوف وأنا معك ويعرفون أنك قد آويت الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتأتي هكذا آمناً، اترك الناس يذهبون وبعد ذلك نطوف أي: نطوف خفية- قال: لا. بل أطوف، وذهب يطوف، وبينما هو يطوف رآه أبو جهل -عليه من الله ما يستحق- فجاء إليه وأمسكه -ولكن سعداً بطل- قال له: أتطوف آمناً وقد آويت من آويت -تطوف ببيتنا وبيت الله وفي مكاننا وأنت آمن- قال: اسكت، والله لئن منعتني لأقطعن عليك التجارة من الشام فلا يمر لكم جمل من عندي -قول وفعل فقال أمية بن خلف لرفيقه سعد : لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد الوادي.ولما جاءت غزوة بدر وخرج كفار قريش لمحاربة الله ورسوله، خرجوا بحدهم وحديدهم وقضهم وقضيضهم، وقالوا: بعد أن سمعوا أن القافلة قد نجت، قالوا: والله ما نرجع حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمر ونستأصل شأفة محمد، وتعلم العرب عنا، وترقص القيان بين أيدينا على بدر ؛ لأنهم علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خيم على بدر فقام أمية وجاء إلى أبي جهل -لأنهم رفقاء- قال له: أريد منك أن تسمح لي قال: يا أمية! ماذا يقول الناس وأنت من رجال القوم وصناديدهم، ولكن اخرج معنا يوماً أو يومين، ثم ارجع، فخرج معهم، ولكنه لم يرجع؛ فقد قتله صحابة صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
 ضمة القبر لسعد
هذا الصحابي الجليل، ضمه القبر، يقول: لا ينجو من ضمة القبر أحد، صالحاً كان أو طالحاً، فلقد جاء الحديث: أن القبر ضم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو الذي اهتز لموته واهتز عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لما دخل عليه الصلاة والسلام المسجد يريد أن يصلي عليه أخذ حذاءه وجعلها في يده وجعل يتوكأ في الأرض، كأنه يتوقى مع أنه، لا يوجد أحد أمامه، قالوا: ما بك يا رسول الله! قال: إني أرفع رجلي عن أجنحة الملائكة، الآن سبعون ألف ملك نزلوا من السماء يشيعون جنازته، عظيم هذا الرجل، وبالرغم من هذا ضمه القبر، رضي الله عنه وأرضاه.روى النسائي في سننه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا الذي تحرك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه). وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها لنجا منها سعد ). وعند الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو نجا أحد من القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه ضمة ثم فرج عنه) هذا الحديث رواه أيضاً السيوطي في جامعه وقال: إسناده صحيح. ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان، حتى الصبيان الصغار لا ينجون منها، ما رواه الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري بإسناد صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أفلت من ضمة القبر أحد لنجا منها هذا الصبي) صبي دُفن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قلت لكم: إن هذا الأمر لا يعتبر من عذاب القبر، وإنما هو شيء من الآلام التي تحدث للإنسان بحكم طبيعته، وبحكم تكوينه البشري. وقد أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة -والحديث في البخاري ومسلم ، والجبة هذه من سندس- أعجب بها الناس، يعني: شيء ما تعوده أبداً، فقال: (تعجبون من هذا، والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أعظم منها) يعني: ومناديله وكسوته في الجنة أعظم من هذا الذي تعجبون منه، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
فتنة القبر
أما كيف تكون فتنة القبر؟ وما هي الكيفية التي تأتي بها هذه الفتنة؟
 فتنة الأمة في قبورها
حدث عروة بن الزبير ، وعروة هذا أيضاً من خيار التابعين، ليس صحابياً؛ لأنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من كرامته أن تعلم عليه بعض الصحابة، وكان أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان عالماً عظيماً من علماء المسلمين، وأيضاً كان يتتلمذ على خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فإن أباه الزبير بن العوام حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ذات النطاقين ، فهو كريم المحفد من الأم والأب، جده أبو بكر لأمه، وأبوه الزبير بن العوام رضي الله عنه، فهذا رجل عظيم في ثقافته وفي فكره، وقد روى كثيراً من الأحاديث، وكان من أشهر عباد الله عز وجل، كان يقول: [ما تركت ربع القرآن ليلة -كل ليلة يقرأ سبعة أجزاء ونصف- إلا ليلة قطعت رجلي فلم أستطع] كيف قطعت رجله؟ قطعت رجله بعد أن دبت فيها الآكلة، وهو داء يأكل العظام، فنصح بقطعها من أسفلها فأبى، قال: ما أريد أن تقبر رجلي لوحدها، فلما وصلت إلى ركبته قالوا له: إن لم تقطعها فسوف تتجاوز إلى أكثر من ذلك، فأشار إليه الخليفة أن يقطعها، فوافق على قطعها، وكيف قطعها؟ قالوا له: نريد أن نسقيك مسكراً -وهو المخدر- قال: لا. إني أحتسب على الله ألمها كما أحتسب فقدها، يقول: أحتسب فقدها، ولكن تفقد مني بألم أحتسبه عند الله، فجيء إليه بالسكين وقطع اللحم، ثم جيء إليه بالمنشار فنشر العظم، ثم انتهوا منها وجاءوا بالسمن المحمي ووضعت رجله فيه حتى لا ينزف دمه فيموت، ثم قال: وقد رفع رأسه إلى السماء: [اللهم إنك ابتليت فعافيت، وأخذت وأبقيت، جعلت لي أربعة أطراف وأخذت منها واحداً وبقي ثلاثة] رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا التابعي الجليل العظيم لما نظر إلى رجله في الطست بعدما وضعوها رفع نظره إلى السماء وقال: [اللهم إنك تعلم أنها ما حملتني إلى معصية قط] يقول: والله ما حملتني إلا إلى طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، إنه رجل عظيم ولكن ابتلاه الله سبحانه وتعالى بها ولكنه يحتسبها عند الله، وستكون سابقة له عند الله عز وجل، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا عروة بن الزبير يحدث حديثاً، والحديث صحيح عن خالته عائشة رضي الله عنها، قالت: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرتم أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تقول ذلك، وقال: إنما تفتن يهود -يقول: الفتنة ما هي للمسلمين، تفتن يهود فقط- قالت: عائشة فلبثنا ليالي بعدها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة : فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يستعيذ بالله كثيراً من عذاب القبر) هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ، لقد كان لا يعلم قبل ذلك أنه تفتن الأمة في قبورها، ولكن أوحي إليه بعد ذلك أنه تفتن الأمة في قبورها، فكان يستعيذ بالله من عذاب القبر أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر! والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 كيفية معرفة التقوى
السؤال: يقول الله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] فكيف يعرف الإنسان أنه من المتقين حتى يسير في طريقهم؟ الجواب: تعرف أنك من المتقين بثلاثة أمور: الأمر الأول: فعل أوامر الله. والأمر الثاني: ترك ما نهى الله. والأمر الثالث: تصديق أخبار الله. فتصير بهذا من المتقين. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أهوال القبر للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net