اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [30] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [30] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
الدعوة إلى الله تعالى هي طريق الأنبياء والمرسلين، وقد جعل الله سبحانه وتعالى لمن يدعو إليه منزلة عظيمة، ومقاماً رفيعاً، وثواباً جزيلاً، بل جعله أحسن الناس قولاً، وجعل طريق الدعوة هي الطريق الأقوم والسبيل الأرشد والصراط المستقيم، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وعلّق هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله،وتغيير المنكر على درجات حسب الاستطاعة، وحسب ترجح المصلحة وحصول المنفعة، ولا يعذر أحد بترك النهي عن المنكر وإنكاره ولو بالقلب؛ فذلك أضعف الإيمان.
درجات تغيير المنكر
يقول الإمام النووي رحمه الله: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم . هذا الحديث حديث عظيم فيه بيان درجات تغيير المنكر، وأن الناس فيه ليسوا على حد سواء؛ لأنهم متفاوتون، وأن أعلى درجة للتغيير هي: التغيير باليد لمن قدر على ذلك، فمن لم يستطع فلابد من التغيير باللسان، فمن لم يستطع فلا بد من التغيير بالقلب، وليس هناك شيء أقل من هذا، بل ذلك أضعف الإيمان، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث عديدة تدل على عظم شأنه، وأمة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كانت خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما قال الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ثم إن من لُعن من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم إنما كان بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم في الإسلام؛ وذلك لأن فيه الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، وإزالة المنكرات الواقعة، وهذا الحديث بين فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم درجات تغيير المنكر، فقال عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده). والمنكر: هو المحرم الواضح البين الذي قد علم تحريمه فإن تغييره مطلوب، فمن قدر على تغييره باليد تعّين عليه ذلك، وهذا يكون للسلطان ونواب السلطان في الولايات العامة، ويكون لصاحب البيت في بيته في الولاية الخاصة؛ لأن هؤلاء هم الذين يقدرون على تغيير المنكر بأيديهم، ومن لم يكن من أهل التغيير باليد، وكان من أهل التغيير باللسان بمعنى أنه يتكلم ويبين ويوضح، وينهى عن المنكر ويحذر منه، ويخوف منه، فإن عليه أن يقوم بهذا الواجب، مادام أنه ليس من أهل التغيير باليد، وعنده قدرة على أن يغير بلسانه، بأن يأمر وينهى ويبين، ويوضح ويحذر ويخوف، فإنه يفعل، وإذا لم يقدر على ذلك أيضاً فإن أقل شيء يفعله هو أن يغير بقلبه. والتغيير بالقلب هو: الكراهية مع حصول التأثر، كون الإنسان قلبه يتأثر ويتألم لوجود هذا المنكر وذلك بكراهيته وبغضه وبتأثر القلب بسبب ذلك؛ لأنه ما استطاع أكثر من هذا.قال عليه الصلاة والسلام: (وذلك أضعف الإيمان). يعني: هذا أقل شيء، وهذا يدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، ففيهم من هو قوي الإيمان، وفيهم من هو ضعيف الإيمان، وكما أن حصول الإيمان الناس يتفاوتون في كماله، فهم يتفاوتون في ضعفه. فهم متفاوتون في الكمال، أي: في كمال الإيمان، ومتفاوتون في الضعف، ولهذا قال: (وذلك أضعف الإيمان). يعني: أن من لم يحصل في قلبه شيء من التأثر والكراهية فمعنى ذلك أنه ليس عنده شيء من الإيمان الذي يحصل به أداء هذا الأمر الذي هو أقل شيء، وليس أقل أو أدنى منه.فقوله: (من رأى منكم منكراً) يحتمل أن يكون المراد الرؤية البصرية، بمعنى أنه شاهد المنكر بعينه، فهو يغيره بيده إن كان من أهل اليد، وإلا فيغيره بلسانه إذا لم يستطع تغييره بيده. ويحتمل أن يكون المراد بذلك ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية، بمعنى أنه يعلم ويتحقق عن طريق صحيح أن هناك منكر، وأن المنكر موجود، فإنه يعمل على تغييره بما علمه من حصوله ووجوده، وعلى هذا فلا يكون التغيير خاص بما رآه الإنسان، بل بما علمه ويتحقق علمه، فإن المطلوب منه أن يغيره مادام تحقق وجوده وعلم بذلك، وإن لم يشاهده ويعاينه، وعلى هذا فيكون المراد بالرؤية ما هو أشمل من الرؤية البصرية أي: ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية.
 

تفسير قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم...))
ما جاء في هذا الحديث من الأمر بتغيير المنكر لا ينافي ما جاء في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]. فلا يقال: أن بين الآية والحديث تعارض، فالآية فيها: أن الإنسان عليه نفسه، وأنه لا يضره من ضل إذا اهتدى، والحديث يقول: (من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). والمعنى: أنكم إذا أديتم ما عليكم وما هو مطلوب منكم فقد برئت ذمتكم؛ لأنكم قمتم بما هو واجب، والاستفادة والهداية هي بيد الله، والإنسان عليه أن يفعل الأسباب، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن حصل المقصود والمطلوب فهذا هو الذي نريده، وإن لم يحصل فإن الإنسان يكون قد أدى ما عليه، وبرئت ذمته. وعلى هذا فيكون معنى الآية: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]. أي: إذا قمتم بما هو مطلوب منكم، فقد أديتم ما عليكم ولا يضركم بعد ذلك ضلال من ضل إذا اهتديتم، قالوا: وفي قوله عز وجل: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ دليل على هذا؛ لأن المهتدي لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من الاهتداء أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتكون الآية هي نفسها دليل على أن الإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن الإنسان إذا أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تحصل الاستفادة بعد ذلك فلا يضره ضلال من ضل؛ لأنه أدى ما عليه، وأرشد إلى ترك الضلال، والأخذ بسبل الهداية، فإذا لم تنفع الموعظة، ولا ينفع التذكير، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحينها يكون المرء قد أدى ما عليه، وليس عليه بعد ذلك من حرج، وإنما يكون عليه الإثم إذا لم يكن أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحاصل: أن هذا حديث عظيم مشتمل على تغيير المنكر، وتفاوت الناس ودرجاتهم فيه، وأنهم ليسوا على درجة واحدة، وأن كل من قدر على درجة منها تعيّن عليه الإتيان بذلك، وليس له أن يترك ما أوجب الله تعالى عليه، وإلا فإنه يكون آثماً إذا ترك ما هو قادر عليه من التغيير باليد، وهو أعلى شيء، ثم التغيير باللسان الذي يليه.ولشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان عند هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] تحقيقات في مباحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نذكرها بالنص لأهميتها: قال الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى: [ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]. قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة و سعيد بن المسيب كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره و ابن جرير ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب و أبي عبيد القاسم بن سلام ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر و ابن مسعود فمن العلماء من قال: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جداً، ولا ينبغي العدول عنه لمنصف.ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد: أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، بقوله تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]. فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده؛ فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها- فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث). وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) أخرجه البخاري و الترمذي . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود و الترمذي و النسائي بأسانيد صحيحة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:78-81]، ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) رواه أبو داود و الترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود ، ولفظ الترمذي : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78] فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطراً).ومعنى تأطروهم أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ [آل عمران:110] وقوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79]. وقوله: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] وقوله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94]. وقوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165]. وقوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]. والتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره، هي: أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفاً منها.
 

مسائل تتعلق بالأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذكر الشيخ الشنقيطي مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:
 من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر
المسألة الرابعة: اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف: كلمة حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: (أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر) رواه النسائي بإسناد صحيح كما قاله النووي رحمه الله.واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث: الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو مظنة الفائدة.الثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان. الثالثة: أن يكون راضياً بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعاً له عليه، فهذا شريكه في الإثم، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه. فقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن كره).يعني: بقلبه ولم يستطع إنكاراً بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها فهو عاص كفاعلها.ونظيره حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . وقوله في هذه الآية الكريمة: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ صيغة إغراء يعني: الزموا حفظها، كما أشار له في (الخلاصة) بقوله: والفعل من أسمائه عليك وهكذا دونك مع إليكانتهى.هذا هو كلام شيخنا: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في كتابه أضواء البيان عند قول الله عز وجل في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].
الأسئلة

 النهي عن المنكر ليس مقيداً في مكان معين
السؤال: هل علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر عندما نجد في الطريق رجلاً مسبلاً وآخر يدخن وثالث حالق للحيته فيجب علي أن أنصح هؤلاء؟الجواب: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه..), فإذا كنت تستطيع أن تغير باللسان فعليك أن تنصح.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [30] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net