اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [27] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [27] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
إن النجاة من النار والفوز بدخول الجنة لأمر عظيم لا يكون إلا لمن وفقه الله تعالى، وقد جعل الله تعالى لعباده سبباً في الحصول عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح، وأول ما يجب فعله من الأعمال الصالحة هو عبادة الله تعالى وحده وترك الشرك به، ثم أداء أركان الإسلام، وإذا أراد العبد كمال الدرجات فليحرص على الاستزادة من نوافل الخيرات، وليعلم أن في لسانه خطراً عليه كبيراً، ومن ثم فليحرص على كفه عما لا ينفعه.
شرح حديث معاذ في السؤال عما يدخل الجنة ويباعد عن النار
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل. ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] حتى بلغ: يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح ].
 عظم شأن دخول الجنة والنجاة من النار
قوله: [ (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه) ] في هذا بيان عظم شأن السؤال والمسئول عنه، وأنه شيء عظيم، وليس بالأمر الهين، ومع عظمته وصعوبته ومشقته فإن الله تعالى يجعله يسيراً على من وفقه الله؛ إذ الأعمال التي يكون بها دخول الجنة والسلامة من النار التي دل الرسول صلى الله عليه وسلم عليها فيها مشقة وفيها تعب وفيها نصب، والمرء بحاجة إلى الصبر على طاعة الله؛ لأن تلك التكاليف وتلك الأمور التي هي موصلة إلى الجنة تحتاج إلى صبر، فيصبر على الطاعات ولو شقت على النفوس؛ لأن العاقبة حميدة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (حفت الجنة بالمكاره) فالطريق إلى الجنة فيه صعوبة وفيه مشقة، ويحتاج إلى صبر وإلى جلد وإلى احتساب، وليس هو بالأمر الهين، ولكنه يكون يسيراً على من يسره الله عليه.وفي هذا -أيضاً- دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على الأعمال الصالحة، وأن من استعان بالله وعول على الله وجد واجتهد وأخذ بالأسباب الموصلة إلى المقصود والمطلوب فإن ذلك يكون بتيسير الله عز وجل وتوفيقه لتحصيل ذلك المطلوب.وأيضاً فيه تشجيع على مثل هذا السؤال، وبيان أهميته، وأن شأنه عظيم، وأن السؤال عن مثل هذا من أهم المهمات؛ لأنه سؤال عن عمل الإنسان في هذه الحياة؛ إذ إن هذه الحياة دار العمل والآخرة دار الجزاء، وليس فيها إلا جنة أو نار، ودخول الجنة إنما يكون بما يحصل في الدنيا للعبد من توفيق الله عز وجل للأعمال الصالحة التي توصل إلى الجنة وتباعد من النار.
بيان العمل الموصل إلى الجنة
ثم بين ما يوصل إلى الجنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) وهذه أركان الإسلام الخمسة التي بينت في حديث جبريل، حيث قال: (أخبرني عن الإسلام قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وكذلك في حديث عبد الله بن عمر : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، فهذه الأشياء الخمسة التي جاءت في هذا الحديث هي التي جاءت في حديث جبريل وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
 من أسباب دخول الجنة الصيام والحج
ثم جاء الصيام بعد ذلك؛ لأنه يتكرر في السنة، ويكون شهراً، وأخر الحج؛ لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة.فهذه الأركان جاءت مرتبة وفقاً لأهميتها.ثم إنّ هذه الأمور التي قدمت هي أهم الفرائض، والله عز وجل قد جعل أحب ما يتقرب العبد به إليه هو الفرائض، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).فقوله: (تعبد الله) أي أن من أسباب دخول الجنة عبادة الله تعالى، وهي فرائض ونوافل، فالفرائض ذكرت منها الأركان الخمسة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وهذه أمور واجبة لازمة.
أبواب نوافل الخير الموصلة إلى الرضوان
ثم بعد ذلك ذكر أموراً مستحبة ونوافل وقرباً يكون فيها زيادة في الثواب وكمال في الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: (ألا أدلك على أبواب الخير) أي: الطرق والمداخل التي يصل الإنسان بها إلى الخير.والمقصود بذلك: النوافل؛ لأنه ذكر أمثلة للفرائض أولاً ثم ذكر أمثلة للنوافل ثانياً، فذكر ثلاثة أشياء: الصوم، والصدقة، وقيام الليل.فهذه الأمور الثلاثة هي من أفضل أبواب الخير التي أرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: (ألا أدلك) هذا استفهام، فقبل أن يذكر أبواب الخير مهّد لها بهذا الاستفهام حتى يتهيأ المخاطب -وهو معاذ رضي الله عنه- لمعرفة ما يلقى عليه ليحفظه ويعيه ويستوعبه، بحيث لا يفوته منه شيء، فهذا الأسلوب وهذه الطريقة فيها لفت نظر المخاطب بتنبيهه إلى العناية والاهتمام لما سيلقى عليه بحيث يعيه ويستوعبه.
 من أبواب الخير: قيام الليل
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وصلاة الرجل من جوف الليل).يعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أبواباً ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى.وقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا قول الله عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله عز وجل الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة.ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئاً، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثاً ولا مذكراً ولا خطيباً، وإنما يظنه قارئاً للقرآن. فمقام الاستدلال غير مقام القراءة. وقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلاً يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال. فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.
بيان رأس الأمر وعموده وذروة سنامه
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) وهذا مثل الذي قبله، فالاستفهام فيه تنبيه المخاطب إلى الاستعداد والتهيؤ لما سيلقى عليه.وقوله: (رأس الأمر الإسلام) الأمر: هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الشأن، وهو أعظم الشئون.وقوله: (وعموده الصلاة) يدلنا على عظم شأن الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، ومعلوم أن الأعمدة يقوم عليها البنيان، وتقوم عليها الخيام، وإذا نُزع عمود الخيمة سقطت على الأرض، وإذا كُسرت أعمدة البنيان هبطت العمارة المكونة من طوابق كثيرة بعضها على بعض حتى تكون أقل مما يساوي طابقاً واحداً لما اختلت الأعمدة، وهذا يبين لنا أن الصلاة شأنها عظيم؛ لأنها هي العمود الذي يقوم عليه الإسلام.ثم قال: (وذروة سنامه الجهاد)، السَّنام: هو أعلى الشيء، وسنام البعير: أعلاه، والذروة: أعلى السنام؛ لأن السنام أعلى شيء، وأعلى شيء في السنام هو الذروة، وأطلق على الجهاد أنه ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه علو الإسلام وظهوره وقوة المسلمين وتفوقهم على الكفار وغلبتهم لهم، حيث يكونون غالبين للكفار، فيهابهم الكفار ويخشونهم، فإما أن يدخلوا في الدين وإما أن يدخلوا تحت حكم الإسلام ويدفعوا الجزية، ولكن يكونون تحت ولاية المسلمين، ويكون ذلك سبباً في هدايتهم؛ لأنهم يشاهدون أحكام الإسلام، ويشاهدون تطبيق الإسلام من المسلمين، فيكون في ذلك القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لهم.وإنما يكون ظهور الإسلام وقوته وتفوق المسلمين على أعدائهم الكافرين بقوة الإيمان وقوة اليقين الذي به يفتحون العباد والبلاد، كما كان شأن سلف هذه الأمة الذين كان عددهم قليلاً بالنسبة لأعداد أعدائهم، ومع ذلك فقد نصرهم الله عز وجل بقوة إيمانهم ويقينهم وثباتهم وإخلاصهم لله عز وجل.ولا يحصل جهاد الأعداء إلا إذا حصلت مجاهدة النفس، فالمسلم إذا لم يجاهد نفسه فإنه لا يستطيع أن يجاهد غيره، وجهاد النفس هو أهم شيء؛ لأن الإنسان إذا لم يكن عنده قوة إيمان ومجاهدة للنفس لا يكون عنده صبر، ولا يكون عنده جَلَد، ولا تكون عنده رغبة، ولا يكون عنده حرص على مجاهدة الكفار، فمجاهدة النفس هي الأساس الذي تقوم عليه قوة المجاهدين والمقاتلين للكفار، ولهذا تفوق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة على أعدائهم مع قلة عدد المسلمين وقلة عتادهم وكثرة أعداد الكفار وكثرة عتادهم بقوة الإيمان وقوة البصيرة وقوة الدين، هذا هو الذي مكنهم من التغلب على أعدائهم، فإن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وذلك بقوة الإيمان وقوة اليقين، فالجهاد أولاً جهاد النفس، ثم جهاد المنافقين وجهاد الكفار، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73].
 من أبواب الخير: قيام الليل
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وصلاة الرجل من جوف الليل).يعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أبواباً ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى.وقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا قول الله عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله عز وجل الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة.ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئاً، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثاً ولا مذكراً ولا خطيباً، وإنما يظنه قارئاً للقرآن. فمقام الاستدلال غير مقام القراءة. وقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلاً يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال. فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.
خطورة شأن اللسان
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى. فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا).وهذا يبين لنا خطورة شأن اللسان، وأن أمره خطير، وأنه ليس بالأمر الهيّن، وأنه هو الذي يوقع الإنسان في المهالك ويتسبب في العطب، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لـمعاذ قال له معاذ : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم-)] وهو شك من الراوي في كونه ذكر الوجوه أو المناخر- : (إلا حصائد ألسنتهم).يعني: جزاء وعقوبة ما يحصل من الألسنة من الكلام السيء في هذه الحياة الدنيا، فهذا هو الذي يوصلهم إلى النار، وهو الذي يوقعهم فيها؛ لأن الناس في هذه الحياة الدنيا يزرعون، فالحياة الدنيا هي دار الزرع ودار العمل، والآخرة دار الحصاد، فالناس يحصدون ويحصلون أجر ما قدموا، إن قدموا خيراً وجدوه، وإن قدموا شراً وجدوه، كما قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).وفي هذا بيان عظم شأن اللسان، وأن أمره ليس بالأمر الهين، بل شأنه خطير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراًَ أو ليصمت) وفي الحديث المتفق على صحته: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، والذي بين اللحيين هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج.
 من أبواب الخير: قيام الليل
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وصلاة الرجل من جوف الليل).يعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أبواباً ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى.وقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا قول الله عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله عز وجل الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة.ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئاً، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثاً ولا مذكراً ولا خطيباً، وإنما يظنه قارئاً للقرآن. فمقام الاستدلال غير مقام القراءة. وقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلاً يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال. فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.
مآل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أحد أصحابه
قوله صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا معاذ) يعني: فقدتك حتى صارت ثكلى! وليس الدعاء مُراداً هنا، وإنما المراد هو الاهتمام بما يخاطب به، بل إنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه سأل ربه أن يجعل كل دعوة دعا بها على أحد ليس أهلاً لها طُهراً وزكاءً وقربة من الله عز وجل لذلك المدعو عليه، فتكون الصيغة دعاءً عليه وهي دعاءٌ له. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها كان لها يتيمة، فأرسلتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رآها وهي صغيرة جداً ثم رآها قد كبرت، فقال: أنت هي كبرت، لا كبرت سنك. فرجعت تلك اليتيمة تبكي، فلما جاءت إلى أم سليم تبكي قالت: إن الرسول دعا علي وقال: كذا وكذا، فجاءت أم سليم مسرعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما لك يا أم سليم ، قالت: إنك دعوت على يتيمتي. فقال: أما علمت -يا أم سليم - أنني اشترطت على ربي أن كل من دعوت عليه دعوة ليس هو لها بأهل أن يجعل الله له زكاءً وطُهراً).ثم إن الإمام مسلماً رحمة الله عليه من حسن ترتيبه ومن حسن دقته في كتابه الصحيح لما ذكر هذا الحديث أورد بعده حديث ابن عباس الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاوية : (لا أشبع الله بطنك) بعدما ذكر الحديث الذي فيه هذا الشرط؛ ليدل على أنه دعاء له وليس دعاء عليه، وذلك أن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى معاوية فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، ثم أمره أن يذهب مرة أخرى، فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا أشبع الله بطنك) فصار دعاء له بناءً على ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فصار منقبة لـمعاوية وفضلاً له، وليس فيه ذم لـمعاوية كما يحرص على ذكره من يعادون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن هذا من مثالبه، وأنه دعاء عليه.فهذا الحديث العظيم مشتمل على هذه الوصايا العظيمة النافعة الجامعة ممن أعطي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 من أبواب الخير: قيام الليل
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وصلاة الرجل من جوف الليل).يعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أبواباً ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى.وقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا قول الله عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله عز وجل الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة.ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئاً، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثاً ولا مذكراً ولا خطيباً، وإنما يظنه قارئاً للقرآن. فمقام الاستدلال غير مقام القراءة. وقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلاً يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال. فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.
الأسئلة

 معنى صلاة الفاتح وحكم التعبد بها
السؤال: أرجو من فضيلتكم تفسير صلاة الفاتح، حيث يكثر عندنا فعلها، وهل يجوز التعبد بها؟الشيخ: صلاة الفاتح صلاة مبالغ فيها، حيث يزعمون أنها خير وأفضل من القرآن، والإنسان لا يجوز أن يتعبد بها ولا بأي شيء مبتدع، بل يتعبد بالصلوات المشروعة الثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [27] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net