اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [25] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [25] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
لقد تفضل الله تعالى على عباده ففتح لهم أبواب القرب باليسير من الأعمال، فجعل في أقوال اللسان أذكاراً يحصل بها الأجر الكثير ويتصدق بها العبد عن جسده، كما جعل مثل ذلك في الإصلاح بين المتخاصمين، وإعانة الرجل في دابته، والمشي إلى الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الخلق، بل حصر النبي صلى الله عليه وسلم البر كله في حسن الخلق، وذلك لما له عند الله تعالى من المكانة والأهمية.
شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور)
يقول الإمام النووي رحمه الله في الأربعين النووية :عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: (أن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.
 وجه كون قضاء الوطر في الحلال صدقة
ثم ذكر بعد ذلك أمراً من الأمور التي للنفوس فيها حظ ووطر وهو قضاء الشهوة، والإنسان فيها يستفيد ويفيد، يحصن نفسه ويحصن غيره، ويعف نفسه ويعف غيره، وينال هذه الشهوة وهذه اللذة ومع ذلك يكون له فيها أجر، فدل على أن الأمور المباحة التي للنفوس فيها حظوظ وفيها قضاء الشهوة والوطر، إذا احتسبها الإنسان عند الله وقصد بها إعفاف نفسه وإعفاف غيره، وإحصان فرجه وإحصان غيره، والإحسان إلى نفسه والإحسان إلى غيره، فإنه يكون بذلك محصلاً للأجر.الصحابة رضي الله عنهم: (يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) قالوا ذلك؛ لأن هذا أمر يتعلق بأمور للنفس فيها حظ، فأرادوا الاستثبات في ذلك والتحقق، وهم عالمون وقاطعون بأن كل ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم حق، ولكن هذا من باب الاستثبات والاطمئنان، فالنبي صلى الله عليه وسلم قاس هذه المسألة على مسألة تقابلها، وهي قضاء الشهوة في أمر محرم، فإنه إذا قضاها في أمر محرم أثم، فإذا قضاها في أمر مشروع وأمر مباح فإنه يكون له في ذلك أجر.وهذا فيه إثبات القياس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس كون الإنسان يأتي شهوته في أمر حلال على قضاء الشهوة في أمر حرام، وأنه إذا قضاها في أمر حرام فإنه يأثم ويستحق العقوبة، فكذلك إذا أتى بها في أمر مباح وأمر مشروع فإنه يكون قد أحسن، وهو مستحق للأجر والثواب على ذلك من الله عز وجل، وهذا يسمى قياس العكس؛ لأن المسألة المقيسة معاكسة للمسألة المقيس عليها، فالمقيس عليها هي فعل أمر حرام فيه قضاء شهوة يكون فيه إثم، ويقابل ذلك قضاء الشهوة في أمر مباح، فيكون في هذا أجر كما أن في ذلك وزراً.قال عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فالحديث دل على أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم السباقون إلى الخير وهم الحريصون على كل خير، وهم الذين كانوا يتنافسون في الخيرات ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحات، ومن كان عاجزاً عن شيء فإنه يجب أن يلحق بمن كان قادراً عليه، ولهذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الاختلاف الذي بينهم وبين غيرهم فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقدرون عليه، وأن الله تعالى يثيبهم على هذه الصدقات المتنوعة التي بعضها نفعه قاصر وبعضها نفعه متعدٍ، وأن كل ذلك صدقة منهم على أنفسهم فيما إذا كان النفع قاصراً، وصدقة منهم على أنفسهم وعلى غيرهم إذا كان النفع متعدياً.
شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري و مسلم.قوله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) أي: أن كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على مفاصل الإنسان كلها صدقة في كل يوم، والسلامى جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة أنها المفاصل، وجاء فيه: أنها ثلاثمائة وستون مفصلاً، وهذه المفاصل يكون عليها في كل يوم صدقة، وهذه الصدقة التي تكون من هذه المفاصل هي تحركها في العبادة، واشتغالها بالعبادة، فبين صلى الله عليه وسلم أن مفاصل الإنسان التي هي ثلاثمائة وستون مفصلاً عليها في كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، فليس ذلك في العمر أو في الشهر أو في الأسبوع، بل في كل يوم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمثلة مما تكون به الصدقة، وهذا من قبيل التمثيل وليس من قبيل الحصر؛ لأن كل عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى الله عز وجل فهو صدقة، فمن ذلك ما يكون قاصراً كالذكر والدعاء والصلاة والصيام، ومنه ما يكون متعدياًً كالصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك من كل ما هو متعد نفعه إلى الآخرين، فإن الإنسان يتصدق على نفسه وعلى غيره.
 عموم الصدقات ودور ركعتي الضحى في الإجزاء عنها
هذا الحديث قد بين فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على كل سلامى من الناس صدقة، وتلك الصدقة تكون بفعل الخيرات وإن لم تكن مالاً يدفع للفقراء، بل الذكر صدقة، والعدل بين الناس صدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، وقضاء الإنسان شهوته بالجماع صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى المساجد صدقة، فكل ذلك من أنواع الصدقات، وقد جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ويجزئ عن ذلك ركعتان تركعهما من الضحى) يعني: يجزئ عن هذه الصدقات التي تكون على المفاصل كلها، وهي ستون وثلاثمائة مفصل، فيمكن أن تؤدى هذه الصدقة عن هذه المفاصل بالإتيان بركعتين من الضحى؛ وذلك لأن الإنسان في صلاته ركعتين تتحرك أعضاؤه وتتحرك مفاصله، وتكون هذه الصلاة صدقة عن هذه المفاصل. إذاً: فالإتيان بهذه الصدقات عن هذه المفاصل كلها سهل ومشروع؛ لأنه يحصل ذلك بركعتين من الضحى تتحقق بها هذه الصدقات الكثيرة على هذه الأعضاء التي هي المفاصل.
شرح حديثي النواس بن سمعان ووابصة بن معبد في البر والإثم
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، رواه مسلم .وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (جئت تسأل عن البر والإثم؟ استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين: أحمد بن حنبل و الدارمي بإسناد حسن ].
 معنى قوله: (والإثم ما حاك في النفس)
قوله: (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).قوله: (ما حاك في النفس) يعني: ما حصل للنفس فيه مشقة وعدم طمأنينة، فالإنسان إذا لم يكن الأمر واضحاً عنده، بل فيه خفاء في كونه حلالاً أو حراماً، وكونه سائغاً أو غير سائغ فطريق السلامة في ذلك تجنبه وتركه، كالمثال الذي ذكرته، وهو الهدية ممن يكون أكثر ماله حراماً، فإن هذا لو أفتى الإنسان في شأنه من يفتيه فإن كونه لا يقدم على ذلك ويتخلص منه لا شك أن فيه الاطمئنان في قلبه والسلامة لنفسه، ويكون بذلك مطمئناً منشرح الصدر، بخلاف ما إذا كان بخلاف ذلك وأخذ هذه الهدية ونفسه غير مطمئنة، فإن ذلك يحدث له تشوشاًً في فكره وفي نفسه، فلا يكون عنده اطمئنان، فيكون الحل الأمثل كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ومعلوم أن الفتوى إما أن تكون بأدلة واضحة وبمن يكون من أهل العلم، فإنه يتعين على المستفتي أن يأخذ بالفتوى، وأما إذا كان الأمر ليس بواضح وإنما هو من الأمور المشتبهات فقد يكون المسئول ليس من أهل العلم، وقد يكون عنده جهل وعنده خفاء وعنده تسرع، فكون الإنسان يأخذ بما فيه الاطمئنان وما فيه السلامة وما فيه الراحة لا شك أن هذا هو الأليق وهذا هو الأولى بالإنسان، والله تعالى أعلم.
الأسئلة

 حكم حصول أجر الخطى إلى المسجد بغير وضوء
السؤال: هل يشترط في الأجر في خطوات الذهاب إلى المسجد أن يكون الذاهب على وضوء؟الجواب: يبدو أنه ليس بلازم؛ لأن الإنسان قد يتوضأ في المسجد، لكن كونه يتوضأ في بيته لا شك أنه هو الأولى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [25] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net