اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [19] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [19] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
لقد حرص الإسلام على تهذيب النفوس وتربيتها على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، ومن تلك الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام وحث عليها: تأديب اللسان وعدم الكلام إلا بالخير، فإن لم يمكن ذلك فالسكوت، ومنها إكرام الجار وعدم إيذائه، ومنها إكرام الضيف إذا كان نازلاً عند أحد في بيته، وهناك خلق ذميم نهى عنه الإسلام وحذر منه؛ لما يترتب عليه من عواقب وخيمة، وهو خلق الغضب، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من وقع فيه أن يعمل أموراً من شأنها أن تذهبه وتبعده.
شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ..)
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، رواه البخاري و مسلم .
 إكرام الضيف
قال صلى الله عليه وسلم: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).الضيف الوافد على الإنسان له حق الضيافة وله حق الإكرام، والضيافة حدها ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة، وهي من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، والذي يفعلها من أهل الشيم والمروءات؛ لأن هذا حق، والإنسان قد يحتاج إلى غيره بأن يكون ضيفاً عنده، فإذا كان ضيفاً عنده فإنه يحسن إليه ويكرمه، وفي أول يوم يتحفه بمزيد عناية لإظهار إكرامه، ثم يطعمه مما يطعم وما زاد على ثلاثة أيام فإنه صدقة، ولا يبقى عنده ويثقل عليه، بل عليه إذا اضطر إلى ذلك أن يطلب منه الإذن له بالبقاء زيادة على ثلاثة أيام.إذاً: هذا حديث عظيم اشتمل على هذه الأمور الثلاثة التي أولها: يتعلق باللسان، والثاني والثالث: يتعلقان بالأفعال، فالأول قول للخير وامتناع عن الشر، والثاني والثالث: إكرام للجيران والأضياف.
شرح حديث: (لا تغضب)
عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، فكرر مراراً، قال: لا تغضب)، رواه البخاري .هذا الحديث من أقصر الأحاديث وأقلها لفظاً ومبنى؛ ولكنه عظيم وواسع وجامع، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه متكون من كلمتين: (لا تغضب).وفيه: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا حريصين على الخير؛ وذلك لطلب هذا الرجل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه وصية يأخذ بها، فكون الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه الوصية، فإن هذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعنايتهم بمعرفة الأحاديث وتلقيهم عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.ويحتمل أن يكون هذا الرجل السائل متصفاً بصفة الغضب، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى ما هو متعلق ومتصف به، والنهي عن الغضب المقصود منه النهي عن الأسباب التي توصل إليه، والآثار التي تترتب عليه، وأما نفس الغضب فإن الناس يتفاوتون فيه، والله تعالى قد يطبع بعض الناس على أن يكون غضوباً، وبعضهم على أن يكون حليماً، وأن لا يستفزه الكلام، ولا يسرع إليه الغضب.والنهي عن الغضب إنما هو نهي عن الأسباب التي توصل إليه، وعدم الأخذ بها، وكذلك الآثار التي تترتب عليه، وهي كون الإنسان يعمل أعمالاً قبيحة بسبب الغضب، أو يقول أقوالاً ويتفوه بكلام بسبب الغضب، فإنه مأمور بأن يبتعد عن الأسباب التي تؤدي إلى الغضب، فإذا وجد الغضب فإنه مطلوب منه أن يكظم الغيظ، وأن لا يأتي بما يترتب عليه من مد يديه أو إطلاق لسانه في أمور تعود عليه وعلى غيره بالمضرة.
 أمور ينبغي فعلها عند الغضب
من الأسباب التي تبعد الغضب وتنهيه ويسلم الإنسان من التمادي فيه: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما يغضب عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا من عمل الشيطان، فهو الذي يريد من الإنسان أن يغضب، وأن يحصل له نتيجة لهذا الغضب أضراراً عليه في دينه ودنياه، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ثبت بذلك الحديث في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.أيضاً: إذا كان قائماً فعليه أن يجلس، وإذا كان جالساً فعليه أن يضطجع؛ وذلك لأنه إذا كان قائماً فإنه يكون أقدر وأنشط على أن يتصرف وعلى أن يفعل ويقدم على أمور لا ينبغي الإقدام عليها؛ لأن القائم والواقف قد يقدم على ما لا يقدم عليه الجالس، وكذلك إذا كان جالساً وبقي معه الغضب فإنه يضطجع، وقد جاء في ذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وإذا كان في بيته أو مع أهله وحصل منه الغضب فعليه أن يخرج من المنزل، أو يترك المكان الذي حصل فيه الغضب؛ وذلك يجعل الإنسان يخف عنده الغضب ويهدأ، كما حصل من علي رضي الله عنه لما كان مع فاطمة رضي الله عنها وحصل بينهما شيء؛ ثم إنه خرج وذهب إلى المسجد لينام فيه، ثم جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إليه في بيته وسألها عنه، فأخبرته بالذي حصل، وأنه غضب وخرج، فبحث النبي صلى الله عليه وسلم عنه ووجده في المسجد، فجاء إليه وقد انحسر رداؤه وصار التراب على جسده، فكان يحثو عنه التراب ويقول: (قم أبا تراب ، قم أبا تراب).فعلى الإنسان أن يبتعد عن أسباب الغضب، وإذا وجد فيأخذ بالأسباب التي تخلص منه، ومنها هذه الأمور وهي: إن كان قائماً يجلس، وإن كان جالساً يضطجع، أو يخرج، أو يقوم من المجلس الذي وقعت فيه تلك الخصومة وذلك الغضب، حتى لا يحصل ما لا تحمد عاقبته؛ وكذلك أيضاً يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الحديث -كما عرفنا- مع اختصاره ووجازته يدل على هذا الأمر العظيم، وعلى أهمية تلك الوصية، وأنها عظيمة لكونها وصفت بأنها وصية، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم كررها، فكل ذلك يؤكد أهميتها ويدل على أهيمتها. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة

 ما ينبغي لمن استأجر شقة بجوار أناس معهم دشوش
السؤال: استأجرت شقة في عمارة وفيها جيران لي لديهم أطباق فضائية، فهل علي إثم، وماذا يجب علي نحوهم؟الجواب: عليك أن تحرص على نصيحتهم وتخليصهم مما هم فيه من البلاء، وإذا تمكنت من أن تبتعد عن هذه العمارة التي فيها هؤلاء فلا شك أنه أولى لك، وإذا كان بقاؤك فيها لا يترتب عليه ضرر عليك ولا على أولادك، بحيث أنه قد يحصل منهم خروج ودخول عليهم فيتضرروا، وبقيت وأنت مضطر إلى ذلك فلا بأس، لكن كونك تبحث عن الجيران قبل أن تنزل لا شك أن هذا هو الأولى، وهذا هو المطلوب منك، وأيضاً ينبغي عليك عندما تأتي أن تكلم صاحب الدار على أنه لا يكون فيها مثل هذه الأطباق التي تستقدم كل شر وتستورد كل بلاء، فإن كل قاذورات وأوساخ العالم تصل إلى الناس في بيوتهم عن طريق هذه القنوات الفضائية الضارة. والله المستعان.وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [19] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net