اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [17] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [17] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
إن الله تعالى طيب لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان طيباً، وقد أمر الله تعالى المرسلين والمؤمنين جميعاً بأن تكون مكاسبهم كلها طيبة حلالاً؛ لأن المكاسب الخبيثة المحرمة لها عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنها سبب من أسباب عدم قبول الدعاء والعياذ بالله.وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري في جميع الأمور، والأخذ بما تطمئن إليه النفس وما لا ريبة فيه، وترك ما فيه شبهة وريبة، كما ذكر أن من حسن إسلام المرء أن يترك الأمور التي لا تعنيه، وأن ينشغل بما يعنيه وينفعه في دنياه وأخراه.
شرح حديث: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!).هذا حديث عظيم بين فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عظم شأن المكاسب الطيبة، وخطورة المكاسب الرديئة الخبيثة المحرمة، وأن المكاسب الطيبة مأمور بها، وفي الإتيان بها الخير والسلامة والعافية، وأن أكل الحرام فيه الضرر الكبير والخطر العظيم؛ حيث يكون ذلك مانعاً من قبول دعاء الداعي.
  هيئة رفع اليدين في الدعاء
قال ابن رجب رحمه الله: ( وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها: أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر، وفعله لما ركب راحلته ).معلوم أن الإشارة بالسبابة تكون عند ذكر الله تعالى، كما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في التشهد يحرك أصبعه يدعو بها، وكذلك في الخطبة كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه، فما كان يرفع يديه، كما جاء أن عبد الملك بن مروان كان يخطب وقد رفع يديه، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على أن يقول بإصبعه هكذا) إذاً: الخطبة لا ترفع فيها الأيدي وإنما يشار بالإصبع فقط، إلا في الاستسقاء إذا حصل في الخطبة فترفع الأيدي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ولعل إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه كانت تكون عند التكبير وعند ذكر الله عز وجل، كما في التشهد حين كان يحركها يدعو بها عند ذكر الله.قال رحمه الله: ( وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه ، وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وعن ابن سيرين : إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة ).فيما يتعلق بقنوت النوازل: كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء، وأما قنوت الوتر فقد ثبت عن عمر رضي الله عنه، وجاء عن أبي هريرة ، ولا أعلم فيه حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن -كما هو معلوم- إذا ثبت عن الصحابة فإنه يؤخذ بما جاء عن الصحابة، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه، وكذلك جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا في قنوت الوتر، وأما قنوت النوازل فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه.قال: ( ومنها أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رويت هذه الصفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني . ومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أيضاً، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا.ومنها عكس ذلك أي: كون ظهورهما إلى جهة وجهه وبطونهما إلى جهة القبلة على الهيئة التي تكون عند التكبير، فعندما يكبر يجعل بطونهما إلى جهة القبلة وظهورهما إلى جهة وجهه، هذا هو عكس الكلام الأول.وقد جاء من حديث أنس رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه).وهذه الصفة معناها: أنه جعل بطونهما إلى جهة الأرض، كأنه رفع يديه هكذا فصارت البطون إلى جهة الأرض. قال: ( ومنها: إذا رفع يديه جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث، وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله عز وجل. ومنها عكس ذلك: وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء، وبطونهما مما يلي الأرض.وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه: (فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء).يمكن أنه بدل ما يثني يديه جعلهما مبسوطتين، ولكن بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء.قال: ( وخرجه أبو داود ولفظه: (استسقى هكذا) يعني: مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض ).وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض)، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة.وهذا خرجه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن أبي شيبة ، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف.قال: وروي عن ابن سيرين أن هذا في الاستخارة، وقال الحميدي : هذا هو الابتهال.
شرح حديث: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )
عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه النسائي و الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.هذا الحديث هو أول حديث ذكره النووي خارج الصحيحين، والأحاديث العشرة التي مرت كلها في الصحيحين أو أحدهما، وقد خرج الإمام مسلم الأحاديث العشرة الماضية كلها، والإمام البخاري خرجها كلها إلا الثاني والسابع والعاشر، فالثاني هو حديث عمر حديث جبريل، ولكنه رواه من حديث أبي هريرة فلم يروه من حديث عمر ، و النووي إنما أورد حديث عمر ولم يورد حديث أبي هريرة ، والحديث السابع حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري : (الدين النصيحة)، والحديث العاشر حديث أبي هريرة : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).إذاً: مسلم روى العشرة الماضية كلها، و البخاري روى سبعة منها فقط، فلم يروِ الثاني والسابع والعاشر، والحديث الحادي عشر هو أول الأحاديث التي ليست في الصحيحين، ولكنه صحيح وثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
  وجوب ترك الأمور المشتبهة إلى ما لا شبهة فيه
قال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وقد مر في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما جملة توافق هذه الجملة وتتفق معها، وهي قوله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الأمور المشتبهة: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فإن قوله: ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) هو مثل: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) أي: دع ما لا تطمئن إليه وتشك فيه ولا ترتاح إليه من الأقوال والأعمال إلى الشيء الذي ترتاح وتطمئن نفسك إليه؛ لأنك بذلك تسلم وتغنم لكونك أتيت إلى ما لا يريبك، وتركت ما يريبك، أي: ما فيه ريبة وشك وعدم ارتياح.فالنفس تكون قلقة مضطربة إذا كان الشيء مما يريب، وعلى الإنسان أن يذهب إلى ما لا يريبه، وتطمئن وترتاح نفسه إليه، ويقدم الإنسان عليه وهو مرتاح، فيكون قوله: ( دع ما يريبك ) مثل قوله: ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )، وقوله: ( إلى ما لا يريبك ) مثل قوله: ( إن الحلال بين )، فإن الإنسان عندما يأتي إلى شيء واضح جلي ليس فيه خفاء، فإنه يكون قد أخذ بما هو واضح وبما هو حلال بين، وأما إذا كان في شيء مشكوك فيه، وفي أمر غير مرتاح إليه؛ فإن هذا يكون من قبيل الشيء الذي أقدم عليه وكان المطلوب منه أن يتركه؛ لأن ( دع ) بمعنى اترك، وهي فعل أمر، وهي مادة يأتي منها الأمر والمضارع ولا يأتي منها الماضي إلا نادراً، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم).وهذا الحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )، من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام؛ فإنها جملة وجيزة قصيرة، مبناها قليل ولكن معناها واسع، وهذه من الكلمات الجامعة التي أعطيها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
شرح حديث: ( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه )
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) رواه الترمذي وغيره.هذا الحديث أيضاً من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الإنسان المتمسك بإسلامه تمسكاً صحيحاً يترك ما لا يعنيه إلى ما يعنيه، ويشتغل بما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته ويصرف ساعاته فيه، ويترك الشيء الذي لا يعنيه والذي لا علاقة له به؛ سواء كان متعلقاً بأعمال أو أقوال، أو كان متعلقاً بأحوال الناس وأعمالهم وما يكونون عليه؛ فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وذلك بأن يشتغل بنفسه وتهذيبها وتنقيتها وتصفيتها وتربيتها على الخير، وتعويدها على ما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته في ذلك، ولا يشتغل بأمور أخرى لا تعنيه.وهذا الحديث يدلنا على أن الناس يتفاوتون في الإسلام، وأن فيهم من يكون بهذا الوصف الذي تكون نتيجته أنه يترك ما لا يعنيه، ومفهوم ذلك: أنه يعنى بما يعنيه، وهو ما يهمه وما هو مطلوب منه، سواء كان متعلقاً بأمور الدين أو الدنيا، بأمور الحياة الدنيا أو الحياة الآخرة، كل ما يعنيه من ذلك فإنه يشتغل به، وما لا يعنيه فإنه يكف عنه ويبتعد عنه.وهذا من الآداب النبوية التي جاءت عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في عبارة وجيزة وفيها حث الإنسان على أن يشتغل بما يعنيه، وأن يحذر الاشتغال بما لا يعنيه.
  كلام ابن رجب في شرحه لهذا الحديث
للحافظ ابن رجب رحمه الله كلام جميل حول شرح هذا الحديث، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: ( وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وقوله للذي اختصر له في الوصية: (لا تغضب)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ).وكل هذه الأربعة الأحاديث من الأربعين، وبعضها مماثل لبعض؛ لأن قوله: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) من جنس: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )؛ لأن كونه يقول خيراً من الاشتغال بما يعنيه، وكونه يصمت، فقد صمت عن الكلام فيما لا يعنيه، وعن الاشتغال بما لا يعنيه، واشتغل بما يعنيه، وكذلك الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فهو يقدم على الشيء الذي يعود على غيره بالخير، كما أنه يقدم على ما يعود عليه بالخير.قال رحمه الله: ( ومعنى هذا الحديث: أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، والاقتصار على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى ( يعنيه ): أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس؛ بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام، وإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات، كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلام، وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه، كما وصى صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يستحي من الله كما يستحي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه، وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما وحوى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).قال بعضهم: استحِ من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك، وقال بعض العارفين: إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك، وإذا سكت فاذكر نظره إليك.وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:16-18]، وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61]، وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80].وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام، كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ق، وفي المسند من حديث الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه)، وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: (يا رسول الله! إني مطاع في قومي فما آمرهم؟ قال: مرهم بإفشاء السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم)، وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو حرفة لمعاش، أو لذة في غير محرم).وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه ). ثم قال رحمه الله: وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه، وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه، وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة بحسب حسن الإسلام، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل)، فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله؛ كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما روي عن عطية عن ابن عمر أنه قال: نزلت مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] ).والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة

  حكم ضرب المعلم للطلاب بالحديد
السؤال: هل يجوز للمعلم أن يضرب الطالب بالحديد؟الجواب: الضرب من المعلم ينفر الطلاب، ولكن عليه أن يتألفهم، وأن يشجعهم، أما كونه يضربهم بالحديد فهذا فيه إساءة إليهم ونفور من الدراسة، وقد يترتب على ذلك هروب وتسرب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [17] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net