اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [11] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [11] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أطوار خلق الإنسان الثلاثة وهو في بطن أمه، وما يحدث له من تغير في الخلقة أثناء هذه الأطوار بمشيئة الله وقدرته، وقد ربطت هذه الأطوار بخاتمة الإنسان، فذكر فيها كتابة الملك لأجل العبد وعمله، وشقي أو سعيد، وهذا كله لحكمة أرادها الله عز وجل وارتضاها لعباده.
شرح حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..)
الحديث الرابع من أحاديث الأربعين النووية -حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه- الذي يقول فيه الإمام النووي: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري و مسلم .هذا الحديث بدأه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عند إخباره بتحديث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقوله: (وهو الصادق المصدوق).أولاً: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه بيان أصل تسمية السنة حديثاً، أي: أنه يقال لها: حديث؛ لأنها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وهنا قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذاً: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي حديثه الذي يحدث به أصحابه؛ ولهذا يقولون: إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته معناهما واحد، فإذا قال الفقهاء أو شراح الحديث: وهذه المسألة ثابتة بالسنة والإجماع، فإن المراد بالسنة ما يرادف الحديث، فإذاً: قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا هو بيان الأساس الذي بني عليه تسمية السنة حديثاً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه، وهنا يخبر أنه حدثهم، فقال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم قوله: (وهو الصادق المصدوق) هذا الكلام قاله ثناءً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس معنى ذلك أن المقام مقام احتمال أن يكون هناك شك، وأن من الناس من يشك في هذا الخبر، بل كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حق وصدق، ويجب تصديقه، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن معناها: تصديقه بكل ما أخبر، وامتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، وألا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به صلى الله عليه وسلم، فإنما قال ذلك تعظيماً وثناءً على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان أن هذا من جملة أمور الغيب التي لا تعرف إلا عن طريق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن هذا الذي أخبر به أمور غيبية لا تعرف إلا عن طريق الوحي، وقوله: (الصادق) يعني: الصادق في قوله، فهو صادق فيما يقول عليه الصلاة والسلام، المصدوق فيما يخبر به مما جاء به من الوحي، فهو صادق في قوله، وتصديقه متعين بكل ما أخبر به من خبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
 أحوال الناس في البداية والنهاية
وفي هذا الحديث بيان حالتين من الحالات الأربع التي تكون فيها أحوال الإنسان في البداية والنهاية؛ لأن أحوال الناس تنقسم إلى أربعة أقسام:القسم الأول: منهم من يكون ولد على الخير ونشأ عليه، وختم له به، فتكون بدايته ونهايته كلها حسنة، مثل الشاب الذي نشأ في طاعة الله عز وجل في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (وشاب نشأ في طاعة الله) فهو نشأ على خير واستمر عليه، ومات على خير، فتكون بدايته ونهايته كلها خير.القسم الثاني: العكس، وهو الكافر الذي ولد بين كفار ونشأ على الكفر، واستمر ومات عليه، فالبداية والنهاية سيئة، فهاتان الحالتان المتقابلتان في السعادة والشقاوة من البداية حتى النهاية، وينتج عن ذلك دخول الجنة أو دخول النار.القسم الثالث: من تكون بدايته حسنة، ونهايته سيئة، وهو الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الجملة الأولى بقوله: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) يعني: الأعمال بالخواتيم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإنما الأعمال بالخواتيم) وهذا يكون في مثل الذين كانوا مسلمين، ودخلوا في الإسلام، واستمروا عليه، وفي آخر الأمر أدركهم الخذلان فارتدوا عن الإسلام، وماتوا على الردة.القسم الرابع: العكس، من تكون بدايته سيئة، ثم نهايته حسنة، أي: أنه يعمل بعمل أهل النار طيلة حياته، ثم في آخر الأمر يوفق فيدخل في الإسلام، وبعد فترة وجيزة يموت، فتكون حياته معمورة بالسوء، ثم في آخر الأمر حيث لم يبق إلا اليسير تحول وانتقل من حال سيئة إلى حال حسنة. وختم له بها، ومن أمثلة هذا القسم السحرة الذين كانوا سحرة مع فرعون، فإنهم كانت حياتهم كلها مبنية على الكفر والسحر، وفي آخر الأمر آمنوا برب هارون وموسى، وبعد ذلك ماتوا على هذا وانتهوا إليه، فكانت حياتهم كلها شر قبل الإيمان، وفي الآخر ابتلوا وصارت نهايتهم حسنة وطيبة، ومثل ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه: (أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال له: أسلم وعرض عليه الإسلام، وكان أبوه موجوداً عنده، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم مات، فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) يعني: كان على ما كان عليه أبواه، كان على دين اليهودية، وبعد ذلك ختم له بخاتمة السعادة، ولم يكن بينه وبين الموت إلا شيء يسير جداً، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومات ولم يعمل عملاً، فختم له بخاتمة السعادة.فهذه هي الأقسام الأربعة التي لا يخرج الناس عنها بالنسبة للبدايات والنهايات، وقريب من هذا التقسيم خلق الناس من الذكر والأنثى، فإن القسمة أيضاً رباعية؛ لأن المخلوقات أربعة أقسام:منهم من خلق من غير ذكر وأنثى وهو آدم، فإنه خلق من تراب، ومنهم من خلق من ذكر كحواء، ومنهم من خلق من أنثى كعيسى عليه السلام، وبقية الخلق خلقوا من ذكر وأنثى.ومثلها أيضاً انقسام الناس في تحصيل الأولاد إلى أربعة أقسام:منهم من يكون له ذكور وإناث، ومنهم من يكون له ذكور خلص، ومنهم من يكون له إناث خلص، ومنهم من يكون عقيماً ليس له شيء من هذا ولا من هذا، فهي أيضاً قسمة رباعية.الحاصل: أن الحديث في نهايته اشتمل على هاتين الحالتين من الأحوال الأربع، وهي: من بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومن بدايته سيئة ونهايته حسنة.
الأسئلة

 موت الفجأة ليس من سوء الخاتمة
السؤال: هل موت الفجأة يعتبر من سوء الخاتمة؟الجواب: لا، لا يقال: إنه من سوء الخاتمة، قد يكون الإنسان مستمراً على حالة طيبة، ومات فجأة، وقد يكون الإنسان على حالة سيئة ومات فجأة، فلا يقال: إن موت الفجأة من سوء الخاتمة؛ لأنه قد يموت إنسان مستقيم على طاعة الله وملازم لتقوى الله فجأة.
قراءة في كتاب شفاء العليل
هذا كتاب شفاء العليل فيه ذكر الجمع بين حديث ابن مسعود السابق، وحديث حذيفة بن أسيد ، يقول ابن القيم رحمه الله: ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوماً من حصول النطفة في الرحم، ثم قال: وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوماً، وفي لفظ: (بأربعين ليلة)، وفي لفظ: (اثنتين وأربعين ليلة)، وفي لفظ: (بثلاث وأربعين ليلة)، وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري ، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد الله.وإن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدر الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقاوته أو سعادته، وهذا تقدير آخر.يعني: إذا كانا ملكين مختلفين فلا إشكال، فالإشكال إذا كان الذي يكتب ملكاً واحداً؛ لأنه إذا كتب في الأول فكيف يسأل في المرة الثانية عند الكتابة الثانية؟! أما إذا كانت الكتابة الأولى حصلت من ملك، والكتابة الثانية حصلت من ملك آخر، فالأمر واضح.قال: وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتب بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود : (ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات)، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راكب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوماً، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق بعضها بعضاً، ودلت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق. اهـوالعلماء اختلف تفسيرهم لهذا الحديث كما ذكر ذلك ابن رجب وغيره، وذكر كلاماً غير هذا الكلام، فالمسألة اجتهادية، ولكن إذا ثبت أن الملك الأول غير الملك الثاني فيكون الأمر واضحاً.والله تعالى أعلم.
 موت الفجأة ليس من سوء الخاتمة
السؤال: هل موت الفجأة يعتبر من سوء الخاتمة؟الجواب: لا، لا يقال: إنه من سوء الخاتمة، قد يكون الإنسان مستمراً على حالة طيبة، ومات فجأة، وقد يكون الإنسان على حالة سيئة ومات فجأة، فلا يقال: إن موت الفجأة من سوء الخاتمة؛ لأنه قد يموت إنسان مستقيم على طاعة الله وملازم لتقوى الله فجأة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [11] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net