اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أسباب عذاب القبر [3] للشيخ : سعيد بن مسفر


من أسباب عذاب القبر [3] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
الكذب خصلة ذميمة .. مرض يصيب القلب واللسان .. يتنافى مع الإيمان .. ينبت النفاق .. يدمر الأخلاق .. وهو سبب لعذاب القبر والنار.وقد تناولت هذه المادة خصلة الكذب مبينة حكم الكذب وخطورته، وآثاره السيئة، مع إيراد بعض صوره، وقد أعقب ذلك ذكر أحاديث وآثاراً وقصصاً متعلقة به.
إجابة عن سؤال متعلق بالأخوة من الرضاع
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:قبل البدء بالحديث في هذا اللقاء، أحب أن أُشير إلى ما سبق أن أجبت به على سؤال من أحد الإخوة سأل فيه، هل البنت التي رضعتُ معها أو رضعت معي أخت لأخواتي أم لا؟وأجبت أنا بما ينبغي أن يكون وهو الصحيح إن شاء الله، لكن أحد الإخوة قال: إنه يُخشى أن يُفهم الموضوع بنوع من اللبس وعدم الوضوح، فلا بد من الإيضاح، وزيادة في الإيضاح وكقاعدة يعرفها طالب العلم بالنسبة للتحريم من الرضاع، أن الرضاع لا ينتشر وإنما يلزم الراضع فقط، فمثلاً لو أن رجلاً في أبها معه زوجة هناك، وزوجة أخرى في الحجاز مثلاً وثالثة في خميس مشيط ورابعة في بني الأسمر ، وله من كل زوجة أولاد، وجاء شخص من جيرانهم في أبها -معه طفل صغير ولم يجد من يرضعه- فأرضعته امرأته التي في أبها ، فإن هذا الولد الراضع أصبح أخاً لجميع الذين رضعوا من ثدي هذه الأم، وجميع الذين ولدوا من صلب هذا الرجل من جميع زوجاته، التي في أبها والحجاز وبني الأسمر وفي خميس مشيط، لأن اللبن للفحل، فهذا الولد أخ لجميع من رضع من ثدي هذه المرأة ومن خرج من صلب هذا الرجل، سواءً كانوا من هذه المرأة أو من غيرها.لكن إخوان هذا الولد من النسب لا علاقة لهم بإخوانه من الرضاع، الحرمة تتعلق بالراضع فقط، فيجوز لأخيه من النسب أن يذهب فيتزوج ببنت هذا الرجل سواءً الموجودة في أبها أو في الحجاز أو بني الأسمر أو في الخميس.لكن متى تكون الحرمة مشتركة؟ تكون الحرمة مشتركة إذا كان هذا الولد قد رضع من هذه المرأة، وأيضاً البنت تلك التي رضع من أمها رضعت من أمه هو أيضاً، فتصبح هذه البنت أختاً لهذا الولد، ولجميع إخوانه، لأن الرضاع أصبح متبادلاً من طرفين لا من طرف واحد، ولكن غيره ممن لم يرضع ليس له علاقة بالآخر.فالقاعدة: أن الرضاع يلزم الراضع فقط، هذه إيضاحات أحببت أن أوردها حتى لا يكون هناك لبس إن شاء الله.
 

الكذب من أسباب عذاب القبر
قلنا فيما مضى: إن هناك عذاباً يسلط على أصحاب القبور، أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر، وينبغي -أيها الإخوة- أن نلح في السؤال، وأن نجزم في الطلب في أن يعيذنا الله وإياكم من عذاب القبر، فإن عذاب أو نعيم القبر هو أول ما يحصل للإنسان، فإن كان نعيماً كان ما بعده أفضل، وإن كان عذاباً كان ما بعده أسوأ، نعوذ بالله من عذاب الله.وقلنا: إن هناك أسباباً كثيرة وردت بها أدلة خاصة توضح أن من وقع في هذه الذنوب والأسباب، سُلط عليه العذاب في قبره، وذكرنا منها: النميمة، وعدم التنزه من البول، والغلول وهو: أخذ شيء من الحق العام -من أموال الدولة- وهو في الأصل أخذ شيء مما يغنمه المسلمون في قتالهم مع الكفار.واليوم نتحدث عن الأمر الرابع من أسباب عذاب القبر وهو: الكذب، ونعني بعذاب القبر، ما يُقدم للمُعذب من عذاب عاجل قبل العذاب الكبير في النار، لأن في النار عذاباً ضخماً وكبيراً جداً، ولكن خلال الفترة البرزخية تأتي المقدمات، ومقدمات العذاب كما يعبر عنها أحد الإخوة، يقول: هذه وجبة الإفطار، والعشاء في النار، يعني هذه المقدمات اليسيرة ما هي إلا وجبة خفيفة، ولكن الوجبة الكاملة الدسمة في جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها.
 علاقة الكذب بالنفاق والخيانة والفجور
يقول إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخطب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام أول -يعني: قبل عام- ثم بكى فقال: إياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار) هذا الحديث أخرجه الإمام ابن ماجة والنسائي في اليوم والليلة وسنده حسن، وقال الحسن : [كان يقال: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج، وأن الأصل الذي بني عليه النفاق هو الكذب] وقال عليه الصلاة والسلام: (كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب) يقول: أعظم خيانة أن يعيرك شخص سمعه، ويشغل نفسه، ويُظهر لك اهتمامه، وأنت تصنف عليه كذباً، هو لك به مصدق وأنت تعلم أنك تكذب عليه، هذا أعظم خيانة له.والحديث أخرجه الإمام البخاري في الصحيح ، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وكبرت خيانة: أي أعظم خيانة للمسلمين، أن تأتي إلى رجل وتخبره بخبر فيصغي لك وأنت تعلم أنك له كاذب، وهو يصدقك في ذلك، هذه عظيمة جداً؛ لأنه لو علم أنك كذَّاب هل سيستمع إليك؟ فلو قلت له: دعني أقول لك كلاماً كذباً؛ لقال لك: شكراً لا نريد الكذب، لا أحتاج أن تخبرني بالكذب.فهذه خيانة له أن تضيع وقته، وتسترعي انتباهه، وتشد نفسه، ثم تعطيه كلاماً لا أساس له في الواقع؛ لأنه سيبني على هذا الكلام أحكاماً وتصرفات، وربما ينقل هذا الكلام للآخرين، بينما كان الأساس منك أنت أيها الإنسان الذي خنته وأخبرته بغير الواقع.قال ابن مسعود رضي الله عنه -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) فالصدق بر يوصلك إلى البر، والبر طريق إلى الجنة، والرجل يصدق باستمرار ويتحرى الصدق، يعني: لديه حيطة وحذر، فلا يستطيع أن يقول شيئاً غير الصدق، وما دام على هذا الوضع، لا يزال يصدق ويتحرى الصدق فإن الله يكتبه صديقا، وإذا كتبه الله صديقاً أفلح ونجح، لأن الله يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69].فمنزلة الصديقين بين النبيين والشهداء، أي أنها منزلة أرفع من منزلة الشهداء وتحت النبيين، فالصديقية منزلة بين النبوة وبين الشهادة: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69]. (وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب -أي: يبحث عن الكذب ويفتش عنه، وعن الذي يضحك الناس، وما الذي ينقل للناس، وماذا يقول للناس، ولو كان كذباً، فتجده يتحراه يعني يتوقعه ويبحث عنه- حتى يُكتب عند الله كذابا) فإذا كتبه الله كذَّاباً فقد خسر وهلك، والعياذ بالله، والحديث كما ذكرنا في الصحيحين.
خطورة الكذب في البيع والشراء
يبين النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من الناس ممن امتهنوا مهنة يغلب عليهم في مزاولتها الكذب، فكانوا بسبب الكذب فجاراً، قال عليه الصلاة والسلام: (التجار هم الفجار) أي: التجار الذين يمارسون عمليات البيع والشراء هم الفجار، وهي هنا على التغليب ليس على الإجمال أو الكلية، لأن هناك من التجار من يخاف الله ويؤمن به، ولكن الغالب دائماً أن يكون التاجر عنده نوع من الفجور: (قيل له: يا رسول الله! أليس الله قد أحل لهم البيع؟ قال: نعم. ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) وهذا واقع عند الناس، فقليل من التجار من يصدق في تجارته، قليل جداً، فإذا قلت له: ما نوع هذه السلعة؟ يقول إنها سلعة أصلية، وهو يعرف أنها ليست بأصلية، فتجده يقول: هذه ممتازة جداً أو أصلية؛ لأنه لو قال لك: لا أدري، لدخل في نفسك شك، وهذا كذب، فيقول: لا أدري، وهو يدري أنها تقليد، لأنه لو قال لك: تقليد، لتركته وذهبت لآخر غيره، فهو من أجل أن ينفق سلعته يخدعك بقوله: أصلي.. ليس هناك أحسن منها.. مجربة وعلى مسئوليتي وعهدتي.. الناس لا يأخذون إلا منها، وهذا أحسن ما في السوق؛ من أجل أن ينفق سلعته.(التجار هم الفجار، قيل: يا رسول الله! أليس الله قد أباح لهم البيع؟ قال: نعم، ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) فيقعون في جريمتين: الحلف الذي ينفق السلعة -لأنه إذا حلف للإنسان اقتنع- والكذب الذي يجعل الناس يقتنعون بصحة معلومات مقدمة لهم عن هذه السلعة، والحديث رواه الإمام أحمد، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه أيضاً الإمام البيهقي ، والحديث صحيح.فالذي لديه تجارة عليه أن يراجع نفسه في كيفية معاملته للناس، حتى لا يكون من أهل هذه الطائفة، ليس هناك داعٍ للكذب، حتى لو كنت تاجرَ خُضْرةٍ، أو أي نوع آخر من أنواع التجارة، بل يجب عليك أن تكون دائماً صادقاً. إلا من صدق وبيّن، فالصادق في الكلام والمبيّن للعيب إن كان في السلعة عيب يقول: السلعة هذه بخمسة وثلاثين ريالاً -أصلي أم لا؟- يقول: ماركتها تايوان، وهذه ماركتها ليست (ياباني) ولا (إنجليزي) ولا (أمريكي) ونوعها كذا.فإذا سألته: هل في السوق أحسن منها؟قال: نعم. في السوق أفضل منها، لكن لكل شيء ثمن، هذه بخمسة وثلاثين ريالاً، لكن التي في السوق تجدها بستين أو بسبعين ريالاً، فالصادق يعطي الحقيقة ولا يكذب، فإن الكذب وإن أنفق السلعة إلا أنه يمحق البركة.
 مقياس الرجولة في قصة ابن مسعود
هذه بعض الآثار التي وردت عن السلف رضي الله عنهم في الكذب، فالكذب -أيها الإخوة- ليس من خلق المسلم، لأنك إذا أردت أن تزنَ رجلاً لتقيمه فإنما تزنه بما فيه من قيم وموازين الرجولة، فالرجال لا يقاسون بطولهم ولا بعرضهم ولا بلونهم ولا بجمالهم، فإن الطول والعرض للإبل، والجمال والوسامة والبياض للنساء، فلا يقاس الرجال بالبياض والوسامة، لا. هذا ليس من شأن الرجال.وإنما يقاس الرجل بأخلاقياته، ولو كان نحيفاً كالخلال ولكن فيه معالم الرجولة، أما إذا كان سميناً جميلاً بديناً طويلاً عريضاً لكنه كذّاب، فإنك لا تثق به، هل يغني طوله وعرضه وجماله وبياضه عن كذبه، فتثق به لأنه جميل أو طويل أو سمين؟ لا. أو كان جباناً أو بخيلاً أو منافقاً أو زانياً، لا. لا ينفع كل هذا، لكن إذا جاءك شخص وهو كالخلال أو ذميم الخلقة أو قصير القامة لكنه صادق، فإنه يرتفع، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم. كان ابن مسعود رضي الله عنه دقيق الساقين، كان إذا وقف عند الجالسين فكأن الجالسين جنبه، يعني: يأتي رأسه عند رأس الجالسين من قصر قامته، لكنه ممتلئ من رأسه إلى قدمه إيماناً، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم (إيه يـابن مسعود لقد مُلئ إيماناً من مشاش رأسه إلى أخمص قدمه) ذات مرة كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فصعد ابن مسعود رضي الله عنه إلى الشجرة فرأى الصحابة ساقية حينما كشفت الريح عن إزاره، فكانتا دقيقتين كأنها مسواكين، فتبسم بعض الصحابة، أي: تعجب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود، والذي نفسي بيده لهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد) نعم. لأن الرجل مملوء بالإيمان.يقول رضي الله عنه: [أخذت القرآن من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما من آية فيه إلا وأنا أعرف أين نزلت ومتى نزلت وفي الليل أو في النهار، وفي الصيف أو في الشتاء، وفي مكة أو في المدينة ، وفي السفر أو في الحضر، وفي الحرب أو في السلم، ووالله لو كنت أعلم أنه يوجد في الأرض رجل أعلم مني بكتاب الله لضربت إليه آبط الإبل حتى ألحق به] فهو مهتم بكلام الله، هذا الرجل العظيم ساقاه دقيقتان، لكن قد يكون هناك من كفار قريش من ساقه ضخمة، مثل ساق أبي جهل ، أبو جهل رأسه مثل رأس البعير، كبير، كانت عمامته فقط اثني عشر متراً، وكان يوم بدر قد لبس عمامة حمراء، وهي عمامة الموت، والتي كانت إذا لبسها العربي يُعرف أنه فدائي، يعني: أنه لا يريد أن يرجع ذاك اليوم، وكان يهدر كالجمل وهو يصف الجيوش لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن شرب الخمر وغنت النساء على رأسه، وقال لهم الشيطان: لا غالب لك اليوم من الناس وإني جار لكم.وبعد ذلك لما قتله معاذ ومعوذ وهما صغيران من أبناء الأنصار ابتدراه بضربتين، فمر ابن مسعود هذا الصغير بين القتلى وإذا بالرجل يتشحط في دمه ويلفظ أنفاسه، فرآها ابن مسعود فرصة أن يحز رأسه، فصعد على صدره، وأخرج سيفه وأمسك بلحيته واحتز رقبته، فماذا كان يقول الخبيث؟ يقول: يـا بن مسعود لقد وطأت موطأً صعباً -أي: ارتقيت على مكان لا يرتقي عليه أحد- ولكن إذا قطعت رأسي فأطل عنقي فإن الرأس يعرف بالعنق، أي يقول: إذا ذبحتني فأطل عنقي، انظر إلى الكبرياء حتى عند الموت! فجز ابن مسعود رأسه.ثم بعد ذلك جاء يجرجر رأسه؛ لأن رأسه كبير مثل رأس الثور، والرجل صغير لا يستطيع أن يحمله، فما كان إلا أن أخرج سيفه وخرم أخراماً في أذنه، وربطه بحبل وبدأ يسحب هذا الرأس، وكان ابن مسعود لما أسلم في مكة ، وكان هذلياً، أي من هذيل وهي قبيلة في الطائف ، ولكنه كان يرعى لأهل مكة ، ودائماً الغريب أو الراعي محتقر، فمر عليه أبو جهل عليه لعائن الله ذات يوم وقد سمع أنه أسلم، فقال: أصبأت يا رويع الغنم؟ قال: نعم. يقول: فجاء وجذبني وأخذني بأذني وألصقني إلى الجدار، ثم أخرج مسماراً من جيبه، ودق المسمار في أذني إلى الجدار، فجلست معلقاً من أذني بالمسمار.يقول: حتى مر الصبيان والدم يسيل من أذني إلى الأرض ولا يستطيع أحد أن يفكني، ولم يفكه إلا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، يقول: فلما جئت بالرأس والرسول صلى الله عليه وسلم جالس في العريش وقد انتهت المعركة، تذكر النبي صلى الله عليه وسلم أذن ابن مسعود التي خُرمت في مكة ورأى أذناً هنا مخرومة، فقال: (الأذن بالأذن والرأس زيادة) يعني: أذن بأذن لكن معك مكسب فقد أتيت بالرأس، أي نعم.فقضية قياسك للرجال لا تبنها على أشكالهم وألوانهم وإنما على أخلاقياتهم وصفاتهم وكرامتهم وشهامتهم، وما الذي يجعل للإنسان منزلة ومكانة في قلوب الناس إلا الصدق! فإنه إذا نُقِلَ كلام عن فلان من الناس، وقد عرف أن فلاناً هذا كذَّاب، فبمجرد أن يقولوا: من الذي قال هذا، فيقولون: فلان، فيقول الناس: اتركه هذا كذاب، أي: كلهم مجمعون على أنه كذاب.وهذا إلغاء له، إلغاء لوجوده، فلا قيمة له لا وزن، ووالله إن بطن الأرض خير له من ظهرها، لأن مثله كمثل الكلب أو الخنزير الذي يُحكَى عنه، فلو أن شخصاً جاءك في مجلس من المجالس وقال لك: هل سمعت كذا؟ فيقول لك من الذي أخبرك؟ فتقول له: ذاك الكلب الذي عند الباب، هل سيصدقك؟ لا. لأن الكلب لا يتكلم أصلاً، حتى لا يُقبل كلامه. كذلك هذا الكذاب إذا أخبرت عنه خبراً، يعني: قيمته وقيمة الكلب أو الخنزير سواء.لكن إذا نقل كلام وقيل: من قال هذا الكلام، فقالوا: فلان، عندها يقال: يا سلام، انتهى الأمر! مصدر وثيق، رجل ثقة لا ينقل إلا الصدق، ولا يتكلم إلا بصدق، وهو محط ثقة قلوب الناس، هذه هي قيمة الإنسان. وبعض الناس يقولون: اكذب تنج، والحقيقة أن الصدق هو المنجي؛ لأنك وإن نجوت بالكذبة في الدنيا، فإنك لا تنجو بها في الآخرة، وقد لا تعاقب في الدنيا على الكذبة ولكنك ستعاقب عليها يوم القيامة، ولكن اصدق تنجُ.
الكذب ندامة في الدنيا والآخرة
ينبغي للمسلم أن تكون نظرته دائماً أبعد من هذه الحياة، فلا يكون محدود النظرة، لا ينظر إلا إلى قدمه وإلى مصلحته، وإلى وظيفته وإلى راتبه، بل انظر إلى ما بعد هذه الحياة، واعمل لما بعد هذه الحياة، حتى تكون ممن ينجو يوم القيامة.لأن من الموظفين من يكذب على مديره مثلاً، فقد يأتي شخص إلى المدير يريد أن يستأذن من الدوام ثم يستحي أو يخجل، فيهرب من الدوام، ثم يذهب ليراجع في إدارة، أو يذهب إلى السوق ليشتري بعض الأشياء، فيبحث عنه مديره: أين فلان، فيقال: لا ندري. وأخيراً بعد ساعة يرجع، فيقال له: أين أنت يا أخي؟ فيقول: أنا كنت في الأرشيف .. في مكتبي. حسناً كان في الأرشيف، فيأخذها المدير ويسكت، ويذهب المدير في الليل ليسمر مع زملاء له، فيدور حديث عارض من غير قصد، وإذا بشخص من الجالسين رأى هذا الموظف في الصباح وهو يراجع في البلدية، في نفس تلك الساعة، فيقول للمدير: فلان يشتغل عندكم؟ فيقول: نعم. فيقول: والله اليوم جاءنا في البلدية كان لديه معاملة، وطلب منا أن نساعده، فيقول المدير: أتاكم اليوم، فيقول: نعم. فيقول: متى؟ فيقول: الساعة التاسعة والنصف، فيقول المدير: عجيب والله، خير إن شاء الله. فيأتي المدير في اليوم الثاني ويطلب هذا الموظف فيقول: يا أخي أين كنت بالأمس عندما بحثنا عنك؟ فيقول: قلت لك: إني في الأرشيف، فيقول له: أكيد؟ فيقول: والله الذي لا إله إلا هو -لأن من كذب حلف فيكذب ولا يهمه لأنه يريد أن يبرر موقفه، يريد أن يظهر الصدق ونسي الجريمة وعظمها عند الله عز وجل- فيقول له المدير: (يا ابن الحلال عدِّل بدِّل) ربما كنت في مكان آخر، فيقول: يعني أكذب عليك أنا، فيقول المدير: والبلدية التي كنت تراجع فيها بالأمس! فيقول: الله من الذي قال لك؟! -انتهى الأمر لم يعد يستطيع أن يكذب- الله أكبر على الناس! الكذب ليس بحسن يا مدير، والله أنا استحيت أن أستأذن منك فاسترقت وعدت، فيقول المدير: استحيت مني تخدعني وتكذب عليَّ! تحلف بالله فاجراً! تظنني مغفلاً! لماذا لم تكن شجاعاً؟ لماذا لم تكن مؤدباً؟ لماذا لم تكن صادقاً؟ ليس هناك مانع من خروجك، ولكن خروجك بدون إذن خطأ، لأنك تأخذ وقتاً يحرم عليك أن تقضيه في أغراضك الشخصية إلا بإذن مني وأنا صاحب الصلاحية،لمَ لم تستأذن مني؟إذاً ذهابك هذا حرام، لكن عندما وقعت في الحرام وخرجت وأتيت وكذبت وهو حرام، ولما تأكدت منك حلفت عليَّ حراماً. كم صارت الجرائم إذاً؟ ثلاث، وكان بإمكان هذا الموظف أن يجعلها لا شيء، لكن من لم يراقب الله عز وجل يندم في الدنيا والآخرة.
 أهمية الصدق في الوعد
النبي صلى الله عليه وسلم اشترى قبل البعثة شيئاً من رجل اسمه أبو الخنساء ، فقال له: اجلس هنا حتى آتيك بالثمن، أي: أعطاه بعض الثمن وقال له: اجلس حتى آتيك بالباقي، فذهب الرجل ونسي الموعد، ولم يتذكر إلا بعد ثلاثة أيام فجاء، وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم جالس مكانه، فقال له: (لقد شققت عليَّ والله إني أنتظرك منذ ثلاث ليالٍ). لا إله إلا الله! لأنه وعده، قال: اجلس حتى آتيك فما أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك المكان. هذا الخلق نتعلمه من ديننا ومن أخلاقيات إسلامنا، ولكن يؤسفنا جداً ويحز في نفوسنا ويقطع أكبادنا، أن المسلمين اليوم الذين يقولون ويزعمون أنهم من أتباع محمد بن عبد الله أنهم يكذبون، بينما الكفار يصدقون.ولهذا إذا وعد الإنسان منهم بوعد وأراد أن يلزمه قال: تأتيني الساعة السادسة، قال: السادسة، قال: نعم. موعد (إنجليزي) فيقول ذاك: (إنجليزي!) حسناً، موعد (إنجليزي) ستة يعني ستة، بينما كان المفروض أن يقول: وعد مسلم كما كان يقول الأولون.كان الأولون يقولون: وعد مسلم؟ قال: وعد مسلم، يعني: لا يكذب إن شاء الله فيه، لكن اليوم وعد المسلم كذب، تقول: تأتيني؟ قال: إن شاء الله آتيك، وإن شاء الله هذه هي (المعلقة) لا. بل قل: آتيك إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقا، لا تعلق عليها الكذب، إنما حققها بأنك تفي، ولكن اعتبر نفسك في مشيئة الله لأنك قد تموت، أو قد تمرض أو قد يمنعك عن الوفاء بالوعد شيء خارج عن إرادتك، أما أن تعلق الكذب بالمشيئة فلا.حتى إن أحد الكفار كلما أراد أن يقول شيئاً قال: إن شاء الله، تقول: تغديت قال:إن شاء الله، إن شاء الله، يعني: كذب كذب، كلها كذب، لا يجوز، في الغرب الآن لا يكذبون أبداً، أخلاقيات لكن لا تنفعهم يوم القيامة، لأنهم كذبوا أعظم الكذبات على أنفسهم حينما جعلوا لله شريكاً، وكذبوا أعظم الكذبات على دينهم حينما عطلوه وبدَّلوه، لكن في المعاملات التي بينهم صدقوا، يصدقون لا يكذبون، ونحن لا نأخذ القدوة منهم، ولكن نأخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن دين الإسلام، ويؤلمنا ويحز في نفوسنا أن يتخلقوا بأخلاقنا ونحن نتخلق بأخلاقهم، فالكذب بضاعتهم ويجب أن ترد عليهم، والصدق بضاعتنا ويجب أن ننتزعها منهم ونتمسك بها، فنصدق ونطيع الله، وأيضاً نصدق ونحيا حياة كريمة في الدنيا والآخرة.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم من الصادقين في الدنيا والآخرة، كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].
الأسئلة

  حكم دخول المسجد لأداء الصلاة بالأحذية
السؤال: رأيت شيئاً استغربته في هذه الأيام من الناس، ولم أقتنع به رغم سماعي بالحديث وهو: أنني رأيت أناساً يدخلون المسجد بالأحذية ويصلون فيها، فكيف هذا يا مولانا، ولكني أعرف أيضاً أنه يجوز في الضرورة القصوى مثل صلاة الحرب، وعدا ذلك يجب احترام المسجد لأنه بيت الله، فكيف ندخل بيت الله بالأحذية، بينما كنا نلمز المسيحيين في دخول الكنائس بالأحذية، فكيف نفعل أفعالهم؟الجواب: نقول يا أخي الكريم بارك الله فيك، عليك أن تقبل سنّة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم بصدر رحب، وألا تتصلب ولا تتشدد ولا تأتيك حساسية من هذا الموضوع، فإن الموضوع محكوم بنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر الأول: أننا مأمورون باحترام المساجد وبإخراج القذر عنها وبحمايتها من القذر، وما دام الإنسان يعرف أن المسجد مفروش وأن حذاءه هذه كان يسير بها في الطين والأتربة والغبار وربما في النجاسات؛ فإن عليه أن يحترم المسجد وألا يدخل بها، لماذا؟ لأنها محروسة ومقدسة وينبغي المحافظة عليها، حتى ولو كانت الحذاء طاهرة ما دام المسجد مفروشاً؛ لأنه لو دخل الناس كلهم بأحذيتهم والمسجد مفروش، فإنه بعد يومين سوف يتسخ كله، أما إذا كان غير مفروش وجاء رجل وصلى بحذائه فلا ينكر عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في حذائه وقال: (خالفوا اليهود صلوا في نعالكم) والحديث صحيح، فلا نقول للناس الذين يصلون في نعالهم: إنهم ارتكبوا جريمة أو خالفوا الأمر، لا. لكن نقول لهم: إن الأولى أن تحترموا المساجد، أي: فرشها، لأن المسلم مأمور بأن ينظفها فكيف يأتي بالقذر إلى المسجد؟!فإذا دخل رجل الآن في بيته هل يدخل مجلسه بالحذاء أم ينزعها عند الباب؟ ينزعها عند الباب، حسناً لا يكون المسجد أقل شأناً من بيتك، لا لأن حذاءك نجسة، لا. لعلها طاهرة لكن لأن فيها قذراً، ثم إن مسألة الحذاء ووطء الفراش بها تترك أثراً، يأتي شخص يصلي مكان حذائك، وينظر فيرى أن حذاءك مرسومة في الموكيت ويضع جبهته مكان حذائك، إنه شيء يتقزز منه الإنسان، وما دام هكذا فينبغي للإنسان أن ينزه المسجد، ولا يأخذ الواحد منا هذا الموضوع بنوع من الحساسية، فالموضوع فيه سعة، وعلى المسلم أن يسعى جهده في سبيل العمل بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أسباب عذاب القبر [3] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net