اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حقيقة الإيمان [1، 2] للشيخ : سعيد بن مسفر


حقيقة الإيمان [1، 2] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
كل إنسان في هذه الحياة تطرأ عليه تساؤلات تتعلق بحياته من حيث: نشأته، ومصيره، وتساؤلات تتعلق بالكون والخلائق من حوله.وهذه التساؤلات وإن كانت تفيد الإنسان في إدراكه بأن لكل هذه المنظومة خالقاً ومصرفاً، إلا أن هذا الإدراك لا يمثل حقيقة الإيمان التي يجب أن يصل إليها الإنسان ليسعد في أولاه وأخراه.
حقيقة الإيمان .. علم لابد له من معلم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:ما هذه الحياة؟ وما حقيقتها؟ ومن أين أتى إليها هذا الإنسان؟ ولماذا جاء إليها؟ وإلى أين سينتقل بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؟ أسئلة تتردد في ذهن كل إنسان، أسئلة محيرة، وقد عجزت كل الفلسفات والمذاهب في القديم والحديث عن الإجابة على هذه التساؤلات؛ لأن الذكاء والعبقرية والعقل لوحده لا يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؛ لأن العلم بالشيء لا بد أن يكون من معلم، فلو جئت -مثلاً- بشابٍ يعيش في أغوار تهامة أو في الصحراء، ودرجة الذكاء عنده متوقدة، أي: ذكي جداً لدرجة العبقرية، ولكنه لم يدرس في المدارس وأعطيته مسألة رياضية أو فك أقواس وقلت له: فك لي هذه الأقواس. وهو لم يدرس شيئاً حتى الحروف الأبجدية، فهل يستطيع ذلك بذكائه وعبقريته وفطرته فقط أو لا بد من أستاذ الرياضيات ليعلمه؟ كذلك لو جئت إلى أستاذ (الإنجليزي) الذي يقرأ اللغة (الإنجليزية) والذي ننظر إليه بإعجاب وهو كالبلبل يترنم بها، لو جئناه برسالة باللغة (الأردية) -لغة الباكستانيين- وقلنا: يا أستاذ (الإنجليزي) اقرأ هذه الرسالة. قال: لا أدري. ثم قلنا له: تعرف (الإنجليزي) وما تعرف هذه؟!قال: نعم. اللغة (الإنجليزية) أعرفها؛ لأني درست حروفها وأبجدياتها وكلماتها وتركيباتها وقواعدها وكل ما فيها عرفته، لكن هذه لغة تختلف عن هذه اللغة فلا أعرف منها حرفاً واحداً.لكن أنت ذكي؟!- أنا ذكي في مجال تخصصي، لكن شيئاً لم أدرسه لا أعرفه. وكذلك قس على هذا في كل العلوم، لا يمكن بالعقل لوحده أو بالذكاء أن تدرك علماً من العلوم إلا بالمعلم، أليست هذه قاعدة؟
 موقف الإنسان من علم الله الأزلي
إن علم الله الأزلي ليس معناه أنه ملزم لنا، وأضرب لكم على هذا مثالاً من واقع المدرسين: لو أتينا إلى أحد المدرسين وليكن في التوجيه، وجاء المدير فدخل عليه في الفصل وقال: يا أستاذ كم تتوقع نسبة النجاح عندك في الفصل في نهاية السنة؟ فالمدرس شغَّل عينه كذا في الطلاب، وراجع دفتر المكتب، ورأى العلامات والذين يتجاوبون معه في الدراسة والمجتهدين، والذين يحلون الواجبات وينتبهون للشرح، والذي عنده تفاعل مع الدرس، فذهب إلى المدير وقدم له بياناً، فقال له: الفصل فيه (20) طالباً، (18) طالباً أتوقع نجاحهم، أما (2) فأشك في نجاحهما؛ لأنهما مهملان؛ أولاً: كثيرو الغياب، ثانياً: أنهما ينامان بكثرة في الفصل، من حين أن يدخل يضع يده على الماسة ونام نومة إلى أن يأتي الأستاذ فيوقظه: ولد.. أين أنت؟ قم. قال: سهران البارحة. سهران في ماذا؟ أفي الجهاد؟ لا سهران على المسلسل والورقة و(البلوت) والقهوة، ويأتي في الصباح نائماً، صارت المدرسة للنوم، يأتي ليحصل التعليم فيحصل النوم.حسناً.. هل أديت الواجب؟ قال: نسيت الدفتر. حسناً والمسألة؟ قال: الامتحان بعيد يا أستاذ، لا تشدد علينا، الله يبارك فيك، يسروا ولا تعسروا. ويستشهد بالأحاديث.فجاء الأستاذ إلى المدير وقال: أما فلان وفلان فإنهم ساقطان، إلا إن غيرا من وضعهما. فالمدير وضع الورقة عنده في الماسة، وبعد ذلك مرت السنة، وفي آخر السنة طلعت النتائج وجاء الأستاذ الذكي الذي يعرف طلابه معرفة دقيقة وقد تحققت نبوءته في الطلاب وظهرت النتيجة: نجح (18) طالباً، والطالبان ساقطان. وبعد ذلك سألوهم الطلاب: لماذا سقطتم؟ قالا: بسبب الأستاذ فهو في أول السنة كتب ورقة للمدير وقال: نحن سنسقط. بالله ما رأيكم في هذا العذر أهو مقبول؟! يعتمدون على ذكاء الأستاذ، هؤلاء الطلاب قالوا: إن الأستاذ في أول السنة لما سأله المدير من الذي سينجح، ومن الذي سيسقط؟ فقال: هناك طالبان سيسقطان، فنحن توقعنا أننا نحن، ولهذا لا تلومونا نرجوكم، أليس الأستاذ قد قال ذلك تلك الأيام، وقد كتب علينا في أول السنة. هل عذرهم مقبول يا إخوان؟!! وهكذا الذي يزني ويسرق ويعصي، ولا يصوم ولا يصلي، ويعق ويرتكب المعاصي، تقول له: يا أخي! لماذا؟ قال: يمكن أن الله كتب عليَّ هذا. مثل ذاك الذي يقول: يمكن أن الأستاذ قد سجلني مع الذين سيسقطون. وأنا يمكن أن الله قد كتبني في الأزل أني شقي، ولهذا يمكن يا أخي أن تذبح نفسك على مذبحة (يمكن)؟ فهذه (يمكن) للاحتمالات.الآن لو أن شخصاً دعوته وقلت له: العشاء الليلة عندنا، فقال لك: يمكن آتيك، تقبل منه، (يمكن) هذه أو تقول له: بلا يمكن، هل ستأتي؟ قل لي من أجل أن أجهز العشاء، أو لا تأتي لكي أستريح، لكن قال لك: والله لا آتي، إذاً قل: إنك لن تأتي. لكن لو قال لك: يمكن أن آتي. وذهبت إلى البيت، وبعد ذلك جاءتك الأفكار يمكن أن يأتي، وبعد ذلك ذهبت وأخذت الذبيحة وتريد أن تذبحها من أجل الضيف، وحين أوشكت على أن تذبح الذبيحة جاءك شعور ثانٍ يمكن ما يأتي، وما ذنب التيس الضعيف؟ دعه يعيش، ولماذا أخسر تيساً وأكلف المرأة وأتعبها بطبخ الذبيحة ويمكن أن لا يأتي، والله لا أضحي بالتيس على (يمكن) هذه. سبحان الله! التيس غالٍ عندك لا تضحي به على (يمكن)، وتضحي برقبتك على (يمكن)؟ وتجازف بحياتك ومصيرك من أجل (يمكن)؟وبعد ذلك ذهبت إلى الله وقدمت عليه وهلكت هلاكاً ليس بعده هلاك، فالله يقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] كل ما خطر في بالك فالنار بخلاف ذلك، فالنار اسمها نار، نحن نعرف النار والله ما توعدنا بشيء لا نعرفه، بل توعدنا بشيء وأعطانا منه نموذجاً حياً، قال: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً [الواقعة:71-73] ما معنى تذكرة؟ أي: موعظة تذكركم بالنار الكبيرة، أم هذه وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ [الواقعة:73] أي: لكي تطبخوا عليها الطعام، وتستدفئوا بها في البرد، لكن الهدف منها حقيقة تذكرة، لكن الذي يرى أعمالنا يقول: هؤلاء لا يعرفون النار أو ضد النار، فإما أننا لا نعرف النار -وكلنا نعرف النار- وإما أنا ضد النار، ولسنا ضد النار، والذي ضد النار لا يأخذ له جمرة من الجمرات بل يأخذ له عود كبريت يولعه ويصبر عليه، فإذا وصلت النار إلى العود مما يلي إصبعه وأحرقته فلا يفكها، دعها تؤلمه قليلاً، يصبر ويتصبر ويتصبر، يرى إلى أي مدى يتحمل النار، والله ما يتحمل النار، لكن يهلك نفسه بالذنوب والمعاصي وترك الطاعات والواجبات ويكون مصيره الدخول في نار الآخرة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت في الماء مرتين ما استمتعتم بها) هي جذوة أصلها من النار ثم أطفئت حتى خمدت، ثم بقي فيها نار تحرق فأطفأها الله حتى خمدت، ثم بقيتها النار هذه التي عندنا! ولذا ورد في بعض الآثار: [لو خرج أهل النار من النار ووجدوا نار الدنيا مشتعلة لقالوا فيها قِيلة، ولعاينوا فيها نوماً] نار الدنيا يعاينوا فيها نوماً، لماذا؟ لأن نار الآخرة يقول الله فيها: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً [النبأ:24] يقول: البرد هنا هو النوم، فلا يوجد نوم، كيف تنام وأنت في عذاب؟ أيضاً أهل الجنة لا يذوقون النوم، لماذا؟لأن النوم يفوت عليهم النعيم، كيف ينام وهو في نعيم، فالنوم جعل في الدنيا لغرض: من أجل إعادة نشاط الجسم، فالإنسان إذا تعب ينام قليلاً فيقوم وهو نشيط، لكن في الآخرة لا يوجد تجديد ولا تعب، كلها نعيم في نعيم، فإذا نام فاته جزء من النعيم؛ فاته الحور والقصور، والحبور والسرور، فهل ينام؟ لا، لا نوم فيها، لكنَّ الذي في النار لماذا ينام؟ إذا نام استراح من العذاب، ولهذا المريض الذي أصبح متعباً ونام قليلاً قال: والله إني وجدت قليلاً من الراحة، رقدت، وتخلصت من ألم، ولكن هذا إذا رقد فاته العذاب، فلا يرقد ولا ينام ليزداد عذابه، ولا ينام هذا في الجنة ليزداد نعيمه.
من حكم الله في الإنسان
لقد علمنا الله تبارك وتعالى لماذا جئنا، وعلمنا من أين جئنا، وعلمنا أين سنذهب بعد أن نفارق هذه الحياة. أما: لماذا جئنا؟ فإنه لا بد لكل شيء من حكمة في خلقه، أنا أحمل هذا الجهاز الآن في يدي لحكمة، ما هي حكمته؟ تكبير الصوت، لكن لو انقطع التيار (الكهربائي) هل سأظل أمسكه؟ لا. لأنه لم يعد هناك تيار (كهربائي) يكبر الصوت ولهذا سأضعه، لكن لو واصلت أتكلم ولا يوجد تكبير، ماذا تقولون لي أنتم؟ تقولون: اترك الجهاز فإن (الكهرباء) مقطوعة؛ لأن الغرض من الجهاز تكبير الصوت؛ فما دام أنه ليس هناك تكبير للصوت فضعه. وأنت تحمل القلم في جيبك لحكمة ماهي؟ الكتابة، فإذا انتهى الحبر الذي في القلم فماذا تصنع بالقلم؟ تتركه معلقاً في جيبك أم ترميه؟ ترميه، أو كلما انتهى عليك مداد قمت بتعليق القلب في جيبك إلى أن تصبح عشرة أقلام؟ وإذا جاء إليك أحد الناس وقال لك: من فضلك القلم. قلت: والله هذا ليس فيه حبر. حسناً أعطني الثاني. وتقول: وهذا والله ليس فيه حبر أيضاً منذ زمن. حسناً والثالث؟ قال: كلها ليس فيها حبر، ماذا يقول لك هذا؟ يقول: يا مجنون! ظللت تصفُّ أقلاماً في جيبك وليس فيها حبر، إذاً لماذا تحملها؟ ما دام أنه ليس لها حكمة وليس لها أي غرض إذاً هذا خبل، أنت تضع شيئاً بلا غرض. وهكذا كل شيء، وهذا اسمه منطق العقلاء أن كل شيء له حكمة فإذاً هو مفيد، وما ليس له حكمة فإنه غير مفيد.
 الحكمة من جعل اليد في أعلى ا لجسم
كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله عز وجل أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس.وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (360) مفصلاً مربوطة بـ(360) عضلة مربوطة مع (360) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها. أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.
عقول قاصرة عن فهم الحكمة من خلق الإنسان
كل شيء في الإنسان وجد لحكمة، نعم أنت كلك وجدت لحكمة، هل تدرون ماذا يقولون في الغرب؟ يقولون: أنت كلك من غير حكمة. تجد البروفيسور، والمخترع والدكتور والمهندس العظيم في أوروبا أو أمريكا أو روسيا رغم أنهم غاصوا في أعماق البحار والمحيطات وسبحوا في الفضاء واخترعوا اختراعات عجيبة؛ لكن تأتي إليه وتقول له: لماذا يا بروفيسور أنت موجود؟ يقول: والله لا أدري. لماذا خلقك الله؟ لماذا أنت موجود هنا؟ لأي حكمة؟ قال: لا توجد حكمة من خلقي.حسناً هل لحذائك حكمة؟ قال: نعم. إذاً: أنت أقل قدراً من حذائك الذي في قدمك؛ لأن حذاءك صنع لحكمة وأنت لست موجوداً لحكمة، الذي ليس له حكمة ليس له قيمة عندما يكون لديك (ثلاجة) في البيت، ما الحكمة منها؟ تبريد، فإذا ذهب منها (الفريون) ولم تعد تبرد، هل بقي لها حكمة؟ تأخذها وترميها، يقول الناس: لماذا ترميها تقول: قد تعطلت وكذلك الإنسان إذا لم يكن من وجوده حكمة إذاً لماذا يبقى في الوجود؟ولهذا -حقيقة- الإنسان اليوم في فساد إلا المسلم، وما ترون الآن من صراع بين الدول الشرقية والغربية من أجل تدمير الإنسان، فهذا ناتج عن أن هذا الإنسان فاسد، واليوم هناك اجتماع لمسئولين من روسيا وأمريكا لمعاهدة بنزع السلاح الذري من الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى، أما الكبار الطويلة، فلا، هذه ما نقدر أن نبعدها؛ لأنها تقوم من روسيا فتدمر أمريكا، وتقوم من أمريكا فتدمر روسيا . أنا سمعت الأخبار تقول: إن روسيا عندها (220) صاروخاً الواحد يدمر نيويورك، التي فيها عشرة ملايين، وفي أوروبا أيضاً هذه الصواريخ من هذا النوع موجودة، وعندها (110) صواريخ من سي سي تو، وعندها (110) صواريخ من (سي سي ثري) يعني عندها (440) صاروخاً الواحد يدمر الدنيا كلها، لماذا صنعت هذه؟ لأن الإنسان فاسد، لو أن الإنسان صالح ما كان سيصنع هذه.ولذا لما رأوا أن هذا التدمير سيعم وسيؤدي بالتالي إلى تدمير أنفسهم راجعوا عقولهم قالوا: تعالوا نتعاهد على أن ننزعها ونتركها، قد خسروا فيها ملايين الملايين، إن الصاروخ الواحد الذي ينتجونه يستطيع أن يقوت العالم سنين، لكن العالم يموت من الجوع وترمى الأغذية في البحار ويموت الناس في أفريقيا وأمريكا، وهناك من هم مصابون (بالإيدز) والأمراض الفتاكة بدون علاج، وهم يخترعون هذه لتدمير الإنسان؛ لأن الإنسان نفسه فاسد؛ ولأنه ما تعلم من الله الذي خلقه، فلم يهتد بهداية الله الذي خلقه فهو فاسد، ولو كان الدين والإسلام هو المسيطر على البشرية، وهو الحاكم لتصرفاتها ما كنت لترى هذا الفساد، والله يقول: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41]، يقول: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].أنت أيها الإنسان لك حكمة، وإذا قال إنسان بأنه ليس له حكمة، فهو يلغي وجوده، وكأنه أحقر من حذائه الذي في قدمه، لأن حذاءه له حكمة، ما هذه الحكمة؟لا يعرف الحكمة من خلقك إلا الذي خلقك؛ لأنه هو الذي أتى بك، ويعرف من أتى بك؟ ولماذا أتى بك، فأخبرك الله بالحكمة فقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هذه هي الحكمة وهي واضحة مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58] فالحكمة من خلقك أن تعبد الله. والعبادة التي طلبها الله عز وجل منك عبادة شاملة لا عبادة جزئية، عبادة متكاملة متوازنة تلبي مطالب الروح، وتستجيب لمطالب الجسد، وتعمر الدنيا والآخرة، ليست العبادة بمفهومها الضيق الذي عند بعض الناس: هي فقط مجرد الشعائر الدينية، إن الشعائر الدينية هي جزء من العبادة، ولكنها ليست العبادة كلها، إن العبادة بمفهومها الشرعي ما سبق أن تعلمناه في الابتدائي: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. كل شيء عبادة، أنت في الشارع تسير وتغض بصرك؛ بهذا تعبد الله، وأنت في المتجر تبيع وتتصدق ولا تغش ولا تكذب ولا تحلف كاذباً؛ تعبد الله، وأنت تأكل وتذكر الله وتسميه وتحمده عند النهاية؛ تعبد الله، وأنت تأتي زوجتك وتسمي الله وتحمده الذي غض بصرك ورزقك الزوجة الحلال، وأنت تنام على فراشك وتستقبل القبلة وأنت متوضئ وتذكر الله بالأذكار، وأنت تأتي إلى المسجد وتصلي وتقرأ القرآن تعبد الله، وتدرس في المدرسة وتعتبر التدريس رسالة لا وظيفة -فرق بين من يعتبر التعليم وسيلة رزق وارتزاق، وبين من يعتبره رسالة حياة ومهمة ومسئولية- إن من يمارس عمل التعليم وهو يتصور أنه يرتزق لا يجعل الله في تعليمه بركة، أما الذي يمارس التعليم على أنه رسالة ومهمة إنسانية وإسلامية؛ أربي فيها أولاد المسلمين على الإيمان والدين، وأستغل مادتي، حتى ولو كانت مادة بعيدة عن المنهج الديني لكني أطوعها وأجعلها إسلامية، أنا مدرس علوم لكني أسخر المادة لخدمة العقيدة، فلما آتي لشرح النظرية أو الحقيقة العلمية أو أي شيء من مظاهر الكون أرجعه إلى الله، لكن لا أقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت عنها بسبب أنها تضايقت منها، وبعد ذلك انفصلت، ويوم أن ذهبت هناك وبقيت مليوني سنة، وبعد ذلك اتحد اثنان (هيدروجين) مع واحد (أكسجين) وصارا ماء، وبعد ذلك ذهب هذا الماء في المنخفضات فصارت بحاراً والمرتفعات بقت جبالاً، وبعد ذلك انتهت. إذاً من فصلها وخلقها وركبها؟ هذا ما لا يبينه أكثر المدرسين إلا من رحم الله؛ فينشأ عند الطفل أو عند الطالب تصور إلحادي أن الكون خلق نفسه، لكن في الإسلام يقول: لا. إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ويقرأ عليهم القرآن ويقول: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [فصلت:9-12]، هذا خلق الله الذي خلق وأخبرنا.أما الذي يقول: إنها كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت، نقول: من أين كنت تراقب العملية في ذلك اليوم؟ يقول: والله ما أدري. فعلاً هو لا يدري ولا يدري أبوه ولا أمه، إن ذلك كان قبل خلق الإنسان، والله يقول: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الكهف:51] يعني: ما حضروا يوم خلق السماوات والأرض وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51] فمدرس العلوم والرياضيات والاجتماع وعلم النفس، أي مدرس يستطيع أن يسخر المادة لخدمة العقيدة الإسلامية، ومدرس الدين بطبيعة الحال والتربية الرياضية والفنية أيضاً يستطيع أنه يخرج من هذه المادة إلى الإسلام، فإذا مارس هذا العمل كان عمله عبادة، وهو موظف ويأخذ أجراً، لكنه ينال عليه أجراً من الله عز وجل. فالحكمة التي من أجلها خلقك الله أيها الإنسان هي العبادة، والعبادة يجب أن نأخذها بالمفهوم الشرعي المتكامل، وأيضاً أن نكون واقعيين مع أنفسنا في المفهوم الشرعي، يعني: لو سألت واحداً منكم وقلت له: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ [الذاريات:56] كلكم تقولون: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هكذا، أو لا؟ ليس هناك واحد يقول: إلا ليأكلوا أو ليلعبوا، أو ليدرسوا، أو ليذهبوا إلى النادي ليلعبوا كرة، أو للسمر والنزهة، هل هناك من يقول هذا الكلام؟ لا، لكن الحقيقة أنا نعمل كل هذه الأشياء إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] لكنا لا نعبد الله، نلعب ونأكل ونسمر ونضيع حياتنا في غير ما خلقنا الله له، أجل نغالط أنفسنا نحن ما خلقنا: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:65] ونأتي وننظر: هل نعبد الله حقيقة، أم لا؟ بالمفهوم الكامل ما معنى: "نعبد الله" إننا نظل نعبد الله طوال حياتنا في المساجد، لا، وإنما أعبد الله في المسجد، وإذا انتهيت من الصلاة أذهب إلى المدرسة، وفي المدرسة أعبد الله، كيف؟ أولاً: أحرص على الوقت، ثانياً: أحرص على وقت الأستاذ، ثالثاً: أركز ذهني لكي لا أضيع يوماً من حياتي، رابعاً: أكون واقعياً صادقاً مع أستاذي، خامساً: أنوي بدروسي هذه أني عندما أتخرج أكون داعية إلى الله، وأن أنصر دين الله، وأستعين بما رزقني الله على خدمة هذا الدين، فأكون بهذه الدراسة في عبادة.لكن لما أدرس ونيتي الدنيا فقط؛ أدرس لكي آخذ الثانوية العامة وأدخل الكلية وأنجح من الجامعة، أو آتي بنجمة من كلية الأمن أو الكلية العسكرية، وبعد ذلك أبني لي عمارة وأشتري لي سيارة، وأتزوج زوجة، وأستريح، وأتمشى، وأسمر، وآكل، وأشرب، هل هذا هدف؟ لو سألت كافراً يهودياً أو نصرانياً وقلت: تعال يا (جيمس) أو أو : ماذا تفعل في الثانوية؟ قال: أدرس الثانوية. وبعد ذلك؟ الجامعة، وبعد ذلك؟ أتخرج من الجامعة، وبعد ذلك؟ قال: أبني لي عمارة، وأشتري لي سيارة، وأنكح زوجة، وأتوظف، حسناً! ما الفرق بين هذا وبين (جيمس)؟ كلهم سواء، النية واحدة، فقط هذا اسمه محمد وهذا اسمه (جيمس)، وهل الأسماء تغير من الحقائق شيئاً؟ لا. لا تغير شيئاً.فيجب أن تكون نيتك من التعليم حسنة، ويكون هدفك من التعليم نصرة دين الله، وأن تكون داعية إلى الله، وأن تكون فرداً صالحاً في هذا المجتمع تدعو فيه إلى الخير، وتأمر فيه بالمعروف، وتنهى فيه عن المنكر، وأن تكون لبنة صحيحة قوية صالحة في بناء هذه الأمة؛ لأن الأمة بناء، وإذا كان هناك لبنة فاسدة، فأنت قد تكون سبباً في سقوط المبنى كاملاً، كذلك صندوق التفاح الذي فيه مائة تفاحة لكن فيه واحدة فاسدة، فإنها تفسده ولا يصلحها، تسعة وتسعون تفاحة لا تستطيع أن تصلح تفاحة واحدة، لكن تفاحة فاسدة تستطيع أن تفسد تسعة وتسعين تفاحة! لأن الهدم سهل والبناء صعب.فعرفنا أن الحكمة من خلقنا هي العبادة، ويجب أن نكون -كما قلت- واقعيين مع أنفسنا، وأن نتناول هذه الكلمة بمنطق العقلاء، وأن نحاسب أنفسنا على مضمونه، ونسأل أنفسنا: أين نحن منه؟ فإن وجدنا أننا نعيش في دائرة العبادة وفي مضامينها، سواءً كانت هذه العبادة عقيدة أو شعيرة أو سلوكاً أو معاملة أو دراسة فنحن إن شاء الله في الدائرة الإسلامية، وقد حققنا مراد الله منا.
 الحكمة من جعل اليد في أعلى ا لجسم
كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله عز وجل أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس.وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (360) مفصلاً مربوطة بـ(360) عضلة مربوطة مع (360) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها. أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.
دعوة إلى المبادرة بالتوبة النصوح
إذا كانت العبادة بمفهومها الكامل في وادٍ ونحن في وادٍ آخر فلنراجع أنفسنا، ولنصحح المسار مع ربنا قبل أن نفرط ونجازف بأنفسنا ونذبحها في قضية المصير الخطيرة؛ لأنك قد تجازف في كل أمر وتصحح الخطأ إلا مجازفتك مع الله، فإنك إن مت وقدمت على الله وقابلك الله وهو غضبان عليك، وقد خسر البعيد الخسارة التي لا تعوض، ولم يعد هناك فرصة -أيها الإخوان- للتصحيح، إذا سقطت في الدور الأول تنجح في الدور الثاني، وإذا لم تنجح في هذه السنة قد تنجح في السنة القادمة، وإذا لم توجد لك وسيلة في الدراسة تبحث لك عن وسيلة في الوظيفة، وإذا لم تنجح في الوظيفة هذه تبحث لك عن وظيفة ثانية، وإذا تزوجت زوجة ولم تنجح معها تتزوج بأخرى غيرها، لكن إذا مت ولقيت الله وعرفت أنك خسران -أيها الإنسان- مع الله هل هناك فرصة أن ترجع إلى الدنيا لكي تصحح الخطأ مع الله؟ هل هناك إمكانية إن الله يخبرنا ويقول: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] لماذا ترجع؟ ما قال: لعلي أرى أولادي، أو عمارتي، أو مزرعتي، أو دكاني أو تجارتي، بل قال: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] عرف أنه لا ينفعه في الآخرة إلا العمل الصالح، حسناً لماذا لا تعمل -من الآن- صالحاً؟ من الذي منعك من أن تعمل الصالحات من الآن؟ لماذا تؤخر العمل الصالح؟ أتريد أن تؤخره حتى تموت ثم تطلب أن ترجع لتعمل الصالحات فلا تلبى ولا تجاب؟رأى أحد السلف جنازة محمولة على الأعناق ومعه أحد تلامذته فقال له: يا بني! ما ظنك لو ردت الروح لهذا الميت؟ قال: يطيع الله فلا يعصيه أبداً -وفعلاً لو أن واحداً من الأموات رجع والله لا يعصي الله أبداً- قال: فكن أنت هو.يقول: كن أنت كأنك أنت الذي مات موتة وأرجعك الله عز وجل، خذ من موته عبرة، وأنتم كل يوم ترون أمواتاً، هؤلاء الأموات أمنيتهم أنهم يعودون مثلكم يصلون ويصومون، فخذوا من أمنيتهم درساً لكم، ولا تفوتوا على أنفسكم الفرصة، ولا تفرطوا في المجالس فالفرصة ما زالت سانحة لكم؛ لأنكم مهددون بالموت في كل لحظة، فقد يأتي الشيطان فيقول للواحد: أنت ما زلت صغيراً، وأنت الآن عمرك (15) أو (16) أو (18) سنة، يا أخي! عندما تتزوج وتكبر فإنك سوف تتوب، حسناً هل عندك ضمان بأنني سأعيش (20) أو (30) سنة؟ إذا كان عندي ضمان فسأطمئن، لكن ما دام أنني مهدد بالموت فيمكن أن أموت الآن، من يضمن منا ومنكم أن يعيش ويصلي الظهر؟ هل أحد يضمن ذلك؟ والله لا أحد يضمن ذلك.وأذكر مرة من المرات أن مجموعة من الشباب كانوا يدرسون في كلية الطب في أبها زاروني في البيت، فجلست معهم جلسة مثل هذه الجلسة الإيمانية، وكان في آخر الكلام أنني قلت لهم: يا إخوان! ما عندنا ضمان بالحياة فلا بد أن نسارع بالتوبة، فإن مد الله في أعمارنا؛ لأننا كل يوم نقضيه في طاعة الله، كل يوم نصلي فيه خمس صلوات، وكل سنة نصوم فيها شهراً، وكل سنة نزكي فيها، نحج فيها ونعتمر فيها، ونتصدق فيها، ونعمل خيراً، فمعنى هذا: أن الزيادة في أعمارنا ونحن على العمل الصالح في زيادة خير ورفع الدرجات فأتوب من الآن وأحسن النية وأصحح الوضع مع الله، وأجزم أني لا أعصي الله عز وجل، وأبدأ في الهداية ثم يأتيني القدر غداً، وإذا بي لا أندم، لكن الذي لا يتوب إن جاءه الموت ندم، وإن لم يأته الموت فهو في خسران كل يوم، كل يوم يضيع خمس صلوات، فلو مات اليوم أحسن من أن يموت غداً، لو مات اليوم يكون ذنبه معيناً، لكن لو مات غداً فعليه ذنبه ذاك وعليه ذنب خمس صلوات، لو مات اليوم أحسن من غدٍ؛ لأنه لو مات غداً يكون عليه ذنب الليل الذي سمر فيه على الأغاني، والمسلسلات، ونظر إلى النساء في السوق، ولعن وشتم وسب وسخط وعمل، فسجلت كل هذه السيئات عليه، ولهذا ذنوبه غداً أكثر من ذنوبه اليوم، فموته اليوم أفضل من غد، وموته غداً أفضل من بعد غد، وكلما زاد عمره زاد إثمه.فقلت لهم هذا الكلام فتأثروا، وكان من فضل الله لهم أن عندهم استجابة وتأثر ثم تابوا، طبعاً المجموعة هم خمسة أنفار منهم واحد صالح والأربعة عاديون، لكنهم جاءوا إلى زيارتي وهو جلبهم، فكلهم أعلنوا التوبة وقالوا: كيف نفعل؟ فقلت لهم: أولاً: الأمر سهل، الماضي كله ما يكلف محو ذنوبه إلا أن تقولوا: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، هل فيها تعب يا إخواني؟ الماضي كله مهما عصيت، ومهما أجرمت، تمحوه كله بكلمة: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهذه ليس فيها جهد، بل إن الله يغفر ذنبك كله ويبدله حسنات، ويسجل السيئات كلها كم؟ مليون سيئة، الله يقول: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70]. هذا الماضي، وأما المستقبل الذي في علم الله ولا ندري عنه، نصلح كل المستقبل بأن ننوي فيه النية الحسنة، فننوي ألا نعصي الله أبداً، وهل في النية تعب؟ بعض الناس تقول له: يا أخي! انوِ خيراً وقل إن شاء الله، قال: والله لا أنوي، سبحان الله! لا تنوي حتى الخير؟! الآن لا يوجد تعب في النية، لا يوجد سوف أقوم أصلي أو سأجاهد أو سأعمل أي شيء، إنما أنوي بقلبي أني لا أعصي الله ولا أضيع فرائض الله في المستقبل، وهذه ليس فيها تعب، فالمستقبل والماضي ليس فيه تعب، وما الذي بقي؟ الحاضر، أجتهد فيه بأن لا أضيع فريضة الله ولا أقع في معصية الله، وهذه ليس فيها تعب، فإذا أذن قمت وأصلي، وإذا رأيت امرأة مسلمة فأغض بصري عنها، وإذا سمعت أغنية تسخط الله أغلقها أو أقوم من المكان الذي فيه هذا المنكر، إذا عرض علي الحرام لا آخذه، إذا قيل لي: امش في الباطل، لا أمشي فيه فهل في هذه الأعمال تعب؟ والله إنها سهلة يا إخواني! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه).فقلت لهم هذا الكلام ومن فضل الله قالوا: دلنا على كتاب. فدللتهم على كتاب الكبائر للإمام الذهبي، وكتاب آخر اسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـابن القيم ، وقيمته قيمة كيلو من العنب، الكيلو العنب بثمانية ريالات والكتاب بستة ريالات، ويمكن شراء هذا الكتاب في نزهة اليوم، بدلاً من أن تتنزه كل يوم بخمسة ريال أو بعشرة.يمكن أن تصوم هذا اليوم وتأخذ بهذا المبلغ كتاباً، وهذا أول كتاب -حقيقة- اقتنيته في حياتي، وهو الكتاب الذي قلب حياتي رأساً على عقب، كتاب الكبائر ، لكن اقرأه بقلب مفتوح وبنية العمل، فيه (67) كبيرة، والكبيرة الأولى: الشرك بالله، والثانية: السحر، والثالثة: قتل النفس، والرابعة: ترك الصلاة، وكل كبيرة تمر عليها تتوب إلى الله منها، فما تنتهي من آخر الكتاب إلا وأنت مسلم حقاً إن شاء الله.فهؤلاء الشباب أعطيت لهم كتباً وخرجوا من عندي تائبين، وبعد ثلاثة أيام ذهبوا إلى مكة ووقع لهم حادث ومات أحدهم وقد أخبروني بعد ذلك لما جاءوا وهم يبكون، يقولون: والله الذي لا إله إلا هو -كان هذا بعد العمرة، فهم ذهبوا للعمرة ورجعوا- إن صاحبنا كان يطوف بالبيت وهو يقول: أستغفر الله ويبكي من خشية الله، وكان آخر حياته أنه مات إن شاء الله شهيداً، نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته.حسناً.. ماذا خسر هذا؟ يا إخواني! الإيمان والهداية هي البديل الصالح لهذه الحياة، وهي الخيار الأنسب، أما الكفر والضلال فليس بخيار ولا بديل صالح، فالكفر خسارة، إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً، وإنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً. بالله والدين والإيمان والهداية ماذا تخسر؟ تخسر الزنا! وهل الزنا مكسب؟ تخسر الربا! وهل الربا مكسب؟ تخسر العقوق! وهل العقوق مكسب؟ تخسر الفجور والكذب والغش والمماطلة وكل رذيلة، وخسارتك للرذائل كرامة، لكن تكسب ماذا؟ تكسب العزة والصدق والوفاء والأمانة والمروءة والشهامة والعفة، وتكسب كل شيء؛ لأن الدين يبني فيك كل هذه الفضائل، فأنت بالإيمان والهداية تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، ولكنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، ماذا تكسب؟ هؤلاء العصاة والفسقة ماذا يكسبون؟ يذهب الواحد منهم (يعربد) شكله مقلوب، (غترته) على رقبته مثل المجنون، وله أحذية لا يدخلها في رجله بل يدخل فقط رأس أصابعه ويخبط الشارع مثل المجنون، يأتي إلي بيته ويرمي بنفسه على سريره أو على فراشه مثل الثور أو الحمار .. فهل هذه حياة؟ هل هذه إنسانية؟ لا يعرف الله، ولا كتاب الله، ولا بيوت الله، ولا فرائض الله، بل يعرف المقاهي والزنا والنساء والغناء والفجور والدعارة .. هل هذه حياة كريمة يا عباد الله؟ والله هذه حياة لا تقبلها حتى الحيوانات، والله إن الحمير لتأنفها ولا ترضاها، فكيف بالإنسانية المكرمة؟أحدهم اسمه باسكال -فيلسوف غربي- يقول: إنك بالإيمان رابح في كل حال. وأبو العلاء المعري يقول:زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما (إن صح قولكما) يقول: إن صح قولكم أنه ما هناك بعث (فلست بخاسر) ماذا خسرت بالدين؟ ولا شيء، بل كسبت كل شيء (أو صح قولي) الذي بعد (فالخسار عليكما).يقول الله: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:46] ويقول: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف:83] ويقول تبارك وتعالى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية:25] من الذي يقول: لا والله لا إياب إلى الله؟ هل هناك أحد يستطيع أن يمتنع عن الله؟ فإذا كان هناك أحد فلا مانع له من أن يعصي الله؛ لأن الله لا يقدر عليه، لكن من الذي يستطيع أن يفلت من قبضة الله؟ لا ملك ولا أمير، ولا قوي عضلات ولا تاجر ثري بالأموال يستطيع .. الأمير والمأمور، والملك والمملوك، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير، والذكر والأنثى، والمتعلم والجاهل، كل من على وجه البسيطة يأخذهم الله: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية:25] ثم ماذا؟ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:26] فأنت لا تأتِ ووجهك أسود، ولا تأت ويمينك سوداء، ولا تأت وصحيفتك سوداء فيسود وجهك يوم القيامة يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106] فتندم ندامة ما بعدها ندامة. أنت إذا اشتريت سلعة من السوق، ولتكن (غترة) اشتريتها بأربعين ريالاً من دكان، وذهبت إلى الدكان الثاني فلقيتها بثلاثين ريالاً، ما رأيك؟ أتندم أو لا تندم؟ تندم، تقول: كيف هذا الكلام؟! أنا ليس عندي رجولة، لست رجلاً؟ مباشرة أشتري من أول دكان وبأول سعر أدفع، لو طفت السوق كله حتى أشتري بأقل سعر لأجل عشرة ريالات، يأتيك غبن، لكن يوم القيامة سماه الله يوم التغابن، عندما تجد نفسك أنك ذاهب إلى النار من بعيد والناس ذاهبون إلى الجنة، فتقول: كيف ضيعت حياتي؟ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27].ورد في الآية أن الظالم يوم القيامة والعاصي يعض يده، أنت الآن إذا تندمت ماذا تصنع؟ تعض إصبعك فقط، لكن يوم القيامة يقول الله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] على ماذا؟ على يديه، لا يعض على إصبعه ولا رأس أنامله، بل على يديه كلتيهما، يقول: يأكل الظالم يده حتى ينتهي إلى كتفه وهو يأكلها، ثم ينتقل إلى شماله فيأكلها حتى ينتهي إلى منكبه، فلا ينتهي منها إلا وقد أنبت الله هذه فيأكلها يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:27-28] يعني: زميله الذي أضله لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:29].فيا أخي! لا تعض أصابع الندم يوم القيامة، والله ما لك صبر على النار لحظة واحدة، وإذا كنت يا أخي تقدر على النار فجرب، خذ جمرة وضعها في إصبعك قليلاً، خذ لك (فنجاناً) من (شاي) حار من (الكافتيريا) واشربه مباشرة، ترى كيف يحرق فمك ومعدتك ويحدث لك مشاكل، حسناً كيف تصبر على الماء الحميم والله يقول: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] ويقول: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات:67] هل تعرفون ما هو الشوب؟ شوب: عندما تغلي ماء، فإذا أغليته فما يطلع مع الغليان من فوق فهو الشوب، وهذا هو الأكثر حرارة، وهو شراب أهل النار ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات:67] والطعام ماذا؟الطعام زقوم وضريع وغسلين وقيح ودم وصديد ونار وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] وبعد ذلك تبدل الجلود في كل يوم أربعمائة مرة كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا [النساء:56] لماذا؟ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] لأن العذاب ما يحس به إلا في الجلد، وهذه آية من آيات الله، لما تضرب إبرة في الوريد أول الوخزة تحس بها، لكن عندما تُدخل إلى الداخل ينتهي الألم فلا تحس بعد ذلك، فمراكز الإحساس بالألم موجودة في الجلد، حتى إذا تعرض الجلد لألم تحس به، فالله جعل المراكز في الجلد، فلو ذهب جلدك لا تحس بالألم، فأهل النار لو أحرقت جلودهم، فلا معنى بعد ذلك للعذاب فالله قال: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] جلد الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام، وله سبعة جلود وليس جلد واحد، ما بين الجلد والجلد مسيرة ثلاثة أيام، وتبدل هذه الجلود كل يوم أربعمائة مرة، لماذا؟ من شدة الإحراق والنار، وتضيع هذه كلها، وتورط نفسك فيها بسبب معصية خفيفة؟ وتضيع المعين: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) للمؤمن في الجنة (72) زوجة، (2) من نساء الدنيا و(70) من الحوريات الذي يقول الله فيهن: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً [الواقعة:35-37] يعني: متحببات أَتْرَاباً [الواقعة:37] في سن واحدة، وبعد ذلك قال: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58] وقال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49] وقال: كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:23] زوجة مثل اللؤلؤة كيف وضعها؟! وبعد ذلك إذا أردت أن ترى نفسك لا تنظر في المرآة، بل انظر في صدرها ترى نفسك، وكبدك مرآتها، (عليها سبعين حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل؛ لو خرجت على أهل الأرض كلهم لآمن من على وجه الأرض كلهم بالله الواحد القيوم، ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما عليها) تجلس عند كل واحدة نصف نهار من أيام الآخرة يعني قدر خمسمائة سنة من سنين الدنيا، فبالله عليك تضيع هذا كله في ستين أو سبعين سنة؟ وربما تموت وما أكملت ثلاثين سنة؟!
 الحكمة من جعل اليد في أعلى ا لجسم
كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله عز وجل أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس.وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (360) مفصلاً مربوطة بـ(360) عضلة مربوطة مع (360) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها. أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.
وصايا للثبات على الاستقامة
يا إخوتي في الله! وصيتي لنفسي ولكم بتقوى الله والعودة إلى الله والرجعة بالتوبة النصوح من الذنوب كبيرها وصغيرها، والاستقامة على الدين، وأوصيكم بأربع وصايا تحفظ لكم الدين:أولاً: اجعلوا لكم وقتاً مع كتاب الله لأنه الشفاء لما في الصدور، ومفهوم هذا الدرس أنه لا بد أن يكون لك في كل يوم ورد معين وحزب من القرآن الكريم تقرأه، كما لك ورد في طعام الفطور والغذاء والعشاء، يجب أن يكون لك ورد من القرآن تغذي به قلبك، تقرأه وتفهمه وتعرف تفسيره.ثانياً: يجب أن يكون لك درس معين من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليكن في كل يوم حديث واحد، وأحسن كتاب أدلكم على قراءته رياض الصالحين.ثالثاً: يجب أن يكون لك رفيق صالح، فتعرَّف على رفيق صالح وارتبط به ارتباطاً إيمانياً من أجل أن يعينك على السير في هذا الطريق.رابعاً: يجب أن تحرص كل الحرص على الابتعاد من قرين السوء؛ لأن قرين السوء مريض، ولو رأيت شخصاً عنده (جدري) فهل تجلس معه؟ ولو رأيت شخصاً عنده (سل) فهل تأكل معه؟ أو شخصاً عنده (إيدز) أو (سرطان) فهل تشرد منه؟ وهذا صحيح، لكن إن كان عنده (كوليرا) في عقيدته أو (سرطان) في دينه أو (إيدز) في إيمانه، فهذا والله أولى أن تبتعد منه؛ لأنه يهلكك في الدنيا والآخرة، الذي يزين لك المعصية ويشوه لك الطاعة، لك رفيق يمشي معك فأذن المؤذن فقلت: يا أخي! دعنا نصلي. قال: يا رجل ليس الآن وقت الصلاة، يقول المطاوعة: إن تأخير العشاء أفضل. في هذه الفتوى أفتاه إبليس، يقول: يقولون: إنه كلما تأخرت العشاء كان أفضل، دعنا نسمر الآن، وبعد ذلك إذا جاء آخر الليل صلينا .. فهذا شيطان رجيم فابتعد منه.مررت أنت وهو في الشارع وأخذ ينظر إلى امرأة لا تحل له وعندما قلت له: يا أخي اتق الله، (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم)، قال: يا شيخ! لا تعقد نفسك إنهم يسمون الدين تعقيداً! فالذي ليس متدين متروكاً، والذي يسمونه معقداً أحسن من المتروك، الإنسان المعقد -الذي عنده عقدة- أحسن من ذلك المتروك السائب، الذي ما له دين ولا مبدأ ولا اتجاه إلا أنه عبد لهواه وشهواته وشيطانه، قال: هذا تعقيد، قل: لا والله يا أخي، أنا لا أعقد نفسي، ولكني أصونها وأحفظها، وأغض طرفي خوفاً من ربي، وابتغاء ما عند الله عز وجل، أنا لست عبد شهوتي، ولست عبد هواي، وأحقر شيء عندي هو الجنس. إن من الرجال من هو عبد لجنسه، تراه فقط مثل الكلب يتلصص على محارم الناس، لماذا؟ لأن الجنس سيطر عليه، أي: أهلكه؛ فهو يتصرف في مجال الجنس فقط، مثل الحمار إذا رأى حمارة، هل الحمار عنده عقل حتى يغض بصره، ألا تراه يحرك مسامعه هكذا ويحرك ذيله وينهق وراء الحمارة؟ هذا مثل ذاك، لا يعرف خلقاً ولا يعرف ديناً ولا مروءة، إذا نظر إليها لحق وراءها، ومن دكان إلى دكان، ومن معرض إلى معرض، مثل الحمار هذا على اثنتين وذاك على أربع، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!فاحذر يا أخي، هذه أربع أعيدها: اجعل لك من القرآن ورداً، ومن الحديث حديثاً واحداً، واحرص على رفيق الخير، وابتعد عن رفيق الشر.أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد. وأشكر أولاً أسرة المدرسة مديراً مدرسين، وأشكركم كأبناء وإخوة وزملاء على إتاحة هذه الفرصة، وأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم بما قلنا وما سمعنا، وأن يكون ما قلت أنا وما سمعتم أنتم حجة لنا يوم القيامة لا حجة علينا؛ لأن هذا الكلام عهدة عليَّ أنا، فالله سيسألني هل أنا أعمل بما أقول، وعهدة عليكم فالله سيسألكم يوم القيامة هل عملتم بما سمعتم، أو يدخل الكلام من هنا ويخرج من هنا مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] (يا عبادي إنما هي أعمالكم -كما يقول الله عز وجل- أحصيها عليكم بالليل والنهار، ثم أوفيكم إياها يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير الجزاء.
 الحكمة من جعل اليد في أعلى ا لجسم
كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله عز وجل أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس.وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (360) مفصلاً مربوطة بـ(360) عضلة مربوطة مع (360) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها. أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.
الأسئلة

 أمور تعين على الخشوع في الصلاة
السؤال: كيف يخشع المصلي في صلاته؟الجواب: أذكر لكم قصة أحد السلف واسمه حاتم الأصم ؛ من خيار السلف، كان أخشع عباد الله، ولما سئل عن الخشوع: كيف تخشع في صلاتك؟ فأجاب إذا أردت أن أصلي وسمعت نداء ربي، قمت إلى وضوئي، ثم أقبلت على مصلاي -يعني المسجد- فأكبر في تحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأتشهد في يقين، وأجلس في طمأنينة، وأتصور أن الجنة عن يميني، وأن النار عن يساري، وأن ملك الموت خلف ظهري، وأن الصراط تحت قدمي، وأن الكعبة أمامي، ثم لا أدري بعد ذلك أقبلت صلاتي، أم ردت عليَّ.انظروا كيفية صلاته: أول شيء يقول: أتهيأ لصلاتي، وأتوضأ، وآتي إلى مصلاي، ثم أقف بين يدي ربي فأتصور أن الكعبة أمامي، وأن الجنة عن يميني، وأن النار عن شمالي، وأن ملك الموت خلف ظهري -فقد تكون آخر صلاة أصليها- وأن الصراط تحت قدمي، ثم أكبر في تحقيق، وأقرأ في ترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأتشهد في يقين، وأجلس في طمأنينة، ثم أسلم في رجاء -يعني: رجاء أن الله عز وجل يتقبل صلاتي- ولا أدري أقبلت صلاتي بعد هذا، أم ردت عليَّ.هذا هو الخشوع، أن تستحضر عظمة الله، وتظن وأنت في الصلاة أنها آخر صلاة تؤديها.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حقيقة الإيمان [1، 2] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net