اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتق الله حيثما كنت للشيخ : سعيد بن مسفر


اتق الله حيثما كنت - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن تقوى الله عز وجل تؤدي إلى نيل أعلى درجات الإيمان، إذ لا يعظم إيمان المرء إلا بهذه الخصلة. ومن عظمت تقواه لله تعالى حجبته عن المحرمات وقربته من الطاعات وبها يحصل العبد على معية الله في الدنيا والآخرة.ولما كانت التقوى بهذه المنزلة كانت وصية الله بها للأولين والآخرين، وعليها كانت وصية الصالحين لبعضهم البعض. وكانت خير وصية يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته في كل وقت وحين.
عظم أهمية التقوى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والتقوى كما أغثت أرضنا بالمطر والخير، نحن الآن نسمع هطول المطر في هذه الساعة المباركة، وهي ساعة استجابة، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو كما أغاث أرضنا أن يغيث قلوبنا! فوالله الذي لا إله إلا هو إن قلوبنا لهي أحوج إلى غيث الإيمان من الأرض إلى غيث المطر! فلقد أقفرت القلوب وقست، وتحجرت العيون، وأصبحنا في وضع يشكى فيه إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون!إن الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، ولكنا نطمع بالمزيد، ففي هذه الساعة ندعو الله ونبتهل إليه أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأطلب من الإخوة الكرام الذين هم الآن في المسجد وفي ساحة المسجد المغطاة أن يتقاربوا حتى يدخل إخوانهم من المطر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة:11] بإمكان المسجد أن يستوعب إن شاء الله كل من حضر، فتقاربوا حتى لا يبقى مكان، وفي صلاة العشاء إن شاء الله يكون الخير.أيها الإخوة في الله: التقوى والخشية والخوف والمراقبة لله عز وجل هي المجالات التي تسابق فيها الصالحون من عباد الله، والتي تباين فيها الناس، فعاش أقوام في القمم من التقوى؛ فأصبحوا عند الله أفضل من الملائكة، وحرم منها أقوام فعاشوا -والعياذ بالله- عند الله أسوأ من البهائم والحيوانات.
 التقوى سبب تفريج الشدائد
كلمة (اتق الله) كلمة تهز نياط القلوب إذا ما وجهت إلى أهل الإيمان، فإذا سمعها المؤمن ارتجف؛ لأنه لا يستطيع أن يتحمل أن عصيان الله إذا قيل له: اتق الله. بل هذه علامة خطر، هذه لوحة ممنوع الوقوف (اتق الله). ارجع إلى الله. اهرب من معصية الله. احذر بأس الله وشدته، وعظمته، هؤلاء هم أهل الإيمان الذين إذا سمعوا كلمة: (اتق الله عز وجل) ارتعدت فرائصهم، واضطربت قلوبهم، وقامت جوارحهم، ولا يمكن أن تستمر المعصية، لماذا? لأنه قيل له: اتق الله.جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ثلاثة كانوا في سفر، ونزل عليهم المطر في ليل بارد؛ فدخلوا في غار، وفي أثناء جلوسهم في الغار انحدرت عليهم صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار، وهم في الصحراء لا يوجد تليفوناً يتصلون بالدفاع المدني، ولو صرخوا وصاحوا فلا أحد يسمعهم، وإن دفعوها بأيديهم وأقدامهم لا يستطيعون؛ لأنها صخرة كبيرة. فقال أحدهم: إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله -يقول: أسباب الأرض انقطعت وما بقي إلا أسباب السماء- فادعوا الله عز وجل بصالح أعمالكم، تعرفوا على الله عز وجل بصالح الأعمال ليعرفكم في هذه الشدة؛ لأن من تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، ومن نسي الله في الرخاء نسيه الله في الرخاء والشدة، فقام كل واحد منهم وبدأ يذكر صالح عمله، وهم من خيار الناس، ووالله يا إخوان -كما قلت هذا في مناسبة سابقة- أني إذا ذكرت هذا الحديث يتقطع قلبي من الألم، وأقول: لو كنت أنا معهم بم أدعو الله؟ وماذا أقول؟ لا يوجد عندي شيء.فتبقى الصخرة إلى أن يتقطع جلدي وأموت ويفنى عظمي ولحمي، لماذا?لأنه لا يوجد مؤهلات تزيل الجبال.أما هؤلاء الثلاثة العظماء الأتقياء فقام كل واحد منهم يقدم عملاً، ويسأل الله عز وجل أن يخفف عنهم ما هم فيه من الكرب، وأن يفرج عنهم ما هم فيه من الغم، فيتحرك الحجر، ومن ضمنهم واحد قال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأعظم وأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها عن نفسها مراراً فأبت -إنها امرأة شريفة طاهرة نقية عفيفة- يقول: وفي يوم من الأيام ألجأتها الظروف والحاجة والضرورة إلى أن تأتي وتستقرض مني مالاً، فرفضت أن أقرضها إلا أن تخلي بيني وبين نفسها، فأطاعت تحت وطأت الاضطرار، يقول: فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة قالت لي: يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، إنها كلمة! لكنها وقعت في قلب مؤمن، قال: فتركتها من أجلك وقمت، قال: فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.كلمةٌ هزت قلب الرجل وأنقذته من هذا المكان الخطر، وهذه الكلمة لا تؤثر إلا فيمن إيمانه مثل الجبال، قد يقولها المرء في الذهن، لكن في تلك الأماكن يعمى البصر وتطغى الشهوة، وينسى الإنسان ربه والنار والعار والشنار والدمار، ويفرغ شهوته ولا يبالي بأحد، لكن هذا لما قالت له: اتق الله، قام فزعاً خائفاً.هذا هو المؤمن، ولكن هناك من لا يتقي الله إن قيل له: اتق الله .. بل بعضهم إذا قيل له: اتق الله يزيد في المعصية، كأنك تقول له: لا تتق الله، وقد بين الله عز وجل هذا في القرآن فقال: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ [البقرة:206] ما معنى أخذته العزة بالإثم؟ أي: لا يخاف الله، ولا تأخذه العزة بالله ولا بتقوى وخوف ومراقبة الله، ولكن تأخذه العزة بأن يمارس الإثم! ويعتز بأن يزني ويرابي ويعصي الله عز وجل، ولا يعتز بالله، فهذا أخذته العزة بأن يمارس الإثم ويقع في الخطيئة، قال الله عز وجل: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206] فهذا تكفيه جهنم، نعم. تكفيه جهنم؛ نار أوقد الله عليها ثلاثة آلاف سنة! ما ظنكم بنار أوقدها الجبار! إذا كنا الآن لا نتحمل ناراً أوقدها الفران، تعال إلى الفرن وأنت تشتري خبزاً وضع يدك في رأس الفرن فقط ولا تمدها إلى الداخل، واصبر قليلاً وانظر ... لا بد من التجربة، هل تصبر على النار؟! والله لا تصبر، فكيف إذا أخذك شخص وطوى رأسك ويديك ورجليك وأدخلك في النار دقيقة واحدة فقط .. ستين ثانية، هل تتحمل؟! كيف نخرجك؟! لو أخرجناك بعد دقيقة واحدة لخرجت مشوياً، لا إله إلا الله -يا إخواني- ما أقسى قلوبنا!! والله إن الذي يرى أعمالنا يقول: هؤلاء ضد النار، أو لا تأكلهم النار، أو لا يعرفون النار، إن أقدامكم على النار لا تقوى.فالمؤمن إذا قلت له: اتق الله، فإنه لا يقدم ولا يمشي في معصية الله، قال الله تعالى: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206].
حال المتقين في الحشر
التقوى وصية الله عز وجل للأولين والآخرين، وما من أمة بعث فيهم نبي إلا وتقوى الله عز وجل من أول وصاياه، قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وهي وصية الله تعالى للناس أجمعين، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].يقول الله تعالى: اتقوا هذا اليوم، وضعوا بينكم وبين عذاب الله تعالى في هذا اليوم وقاية؛ لأنكم لن تستطيعوا تحمله، فالمرضعات يذهلن عمن يرضعنهم، والحوامل يضعن حملهن، والأطفال تشيب رءوسهم: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً [المزمل:17-18] الملائكة تحضر كلها من السماء وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً [الفرقان:25] .. فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37] أي: معالم الكون كلها تتغير ونحن واقفون في ذلك اليوم حفاة عراة غرلاً غير مختونين، لا مال ولا أولاد وإنما قلوبنا معلقة، وأبصارنا شاخصة، وننتظر ما يأتي، يقول الله عز وجل: وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [طه:111] وقال تعالى: فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً [طه:108] وقال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33] وقال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ [غافر:18] القلب لا يبقى مكانه ولكن يرتفع إلى الحنجرة فيسدها ولا يستطيع أن يتنفس: إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:18-19].الله عز وجل يوصي الناس ويقول لهم اتقوا ربكم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً [لقمان:33] التكافل والتكاتف والتعاون وبذل الجاه والسلطة أكبر ما يكون بين الولد والوالد، سواء كانت أمه أو أباه؛ لأن الوالد يشمل الأم والأب، والمولود يشمل الذكر والأنثى، والتكافل معناه: أن الوالد يود أن يفدي ولده بدمه، ويود الولد أن يفدي أباه بدمه، لكن يوم القيامة كل واحد يهرب من الآخر، أي: إذا لقي الولد أباه يفر، لماذا? لأنه سيقول له: أعطني، ولا أحد يريد أن يقال له: أعطني.أنت الآن إذا كنت مغترباً في أرض بعيدة، ومعك خيرات وأموال، ورأيت واحداً من جماعتك، ما إن تراه حتى تفرح به، وتحييه وترحب به وتقول: مرحباً وحياك الله، والغداء عندنا، والعشاء عندنا، لماذا? لأنك تملك مالاً وتستطيع أن تضيفه، لكن إذا لقيته وليس معك نقود، فإنك مباشرة تحاول التخلص منه، لماذا? لأنك لو قلت: تفضل، لأجاب فمن أين تأتي بالغداء والعشاء؟ فيوم القيامة كل واحد يفر من الآخر؛ لأنه لا يوجد إلا حسنات، وقد ورد في الحديث: (إن الأب يأتي ولده يوم القيامة فيقول له: أسألك بحق أبوتي عليك حسنة أثقل بها ميزاني، فيقول: نعم. يا أبت! لقد والله أحسنت تربيتي وغذيتني وأعطيتني، ولكن أسألك أنا بحق بنوتي لك بأن تكمل الجميل وتعطيني حسنة أثقل بها ميزاني) وكل واحد يريد حسنات من الآخر، فقال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] لماذا? لأنه: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37].فالنداء جاء للناس كافة بتقوى الله، ثم ضيق الله تعالى الدائرة، ونادى أهل الإيمان خاصة بلفظ التقوى، وكثير من الآيات في القرآن، فيها نداء للمؤمنين ودعوتهم بأن يتقوا الله؛ لأن المؤمنين هم خاصة البشر وصفوة الناس؛ ولأنهم آمنوا بالله تعالى، وصدقوا المرسلين، يقول الله تعالى فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] أي: حاسب نفسك: ماذا صنعت لغد؟ ماذا تعمل لو مت الآن؟ لو جاءك ملك الموت ومت الآن، ماذا عندك من المؤهلات التي تنفعك يوم القيامة؟ كيف صلاتك وعقيدتك وزكاتك؟ وبرك وصلتك لرحمك، وتلاوتك لكتاب ربك وحبك وبغضك؟ وعينك في الحلال؟ وأذنك في الحلال؟ وكل حياتك؟ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].
 أمر الله للنبي بالتقوى لعظمها
آخر ما وجه الأمر بالتقوى .. إلى أفضل خلق الله أجمعين وهو: رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وخير من سار على الأرض، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأول من يدخل الجنة، صلوات الله وسلامه عليه، فله المنـزلة الرفيعة عند الله، وله المقام العظيم، وهو صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، واللواء المعقود، هذا الرجل صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، سيد الخلق أجمعين، نادى الله الأنبياء كلهم بأسمائهم إلا هو: يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105] .. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] .. يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ [القصص:31] .. يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة:116] كل نبي باسمه، أما محمد صلى الله عليه وسلم فلا يوجد في القرآن يا محمد، إلا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64] .. يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة:41].وذلك لعظمه صلى الله عليه وسلم، هذا العظيم يقول الله تعالى له في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1] أتقى خلق الله، وأعلم الناس بالله، والله تعالى يقول له: اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1] ما معنى هذا؟قال المفسرون: ليس معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس متقياً لله، ولكن لتأكيد الأمر بالتقوى؛ لعظم منـزلة المتقين عند الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1] وكان أتقى خلق الله، يقول: (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ومع هذا فأنا أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) هكذا قال صلى الله عليه وسلم.
ترجمة رواة حديث: (اتق الله حيثما كنت ...)
عنوان الدرس في هذه الليلة (اتق الله حيثما كنت) وهذه الجملة جزء من حديث رواه الترمذي في السنن وقال عنه: بأنه حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة وأبي ذر الغفاري جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم.
 ترجمة أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما
وأيضاً يحدث به أبو ذر الغفاري ؛ وهو من السابقين إلى الإسلام، وهو من قبيلة غفار، واسمه جندب بن جنادة ، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ) وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم، والخضراء السماء، والغبراء الأرض.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أبا ذر ! يموت وحده، ويبعث وحده، ويأتي وحده).ويروي الحديث أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ وهو إمام العلماء يوم القيامة، فجميع علماء الأرض يأتون خلفه، وبينهم وبينه رتوة، يقدمهم رضي الله عنه وأرضاه وهو من فقهاء الأنصار، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وهذا الرجل كان يحب مجالس العلم، ولما حضرته الوفاة بكى، وكانت عنده بنت صغيرة، فقالت: يا أبتاه! ما يبكيك؟ أما تعلم أن ما لك عند الله خير من الدنيا، قال: [بلى والله! إني لا أبكي من الدنيا من أجل جني الثمار، ولا غرس الأشجار، ولكن لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولظمأ الهواجر، وسهر الليالي].
تقوى الله وحسن الخلق من طرق الجنة
يقول: أريد الدنيا من أجل هذه الأمور الثلاثة: ظمأ الهواجر بالصيام، وسهر الليالي بالقيام، ومزاحمة العلماء بالركب في مجالس الذكر، أما غير هذه فلا أريدها، رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـمعاذ: (اتق الله حيثما كنت -وهو عنوان الدرس- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حديث حسن صحيح.هذا الحديث -أيها الإخوة- يدخل في معناه أيضاً حديث آخر لـأبي هريرة : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ وما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج).فمن طرق النار الفم والفرج، ومن طرق الجنة تقوى الله وخشيته ومراقبته، وحسن الخلق. وهذا المعنى اشتمل تنظيم العلاقة بين العبد وبين الله عن طريق التقوى، وبين العبد وبين الناس عن طريق الخلق؛ لأن الأخلاق الحسنة هي التي تستطيع أن تستوعب الناس بها، يقول صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن تسعوهم بأخلاقكم) فلو أن عندك ملايين الدنيا فالناس أكثر منك، ولا يسع الناس إلا من خلق الناس، ولا يكفل الناس إلا رب الناس، أما أنت فتستطيع أن تسع الناس كلهم بالأخلاق الحسنة، فتبتسم لهذا، وترد السلام على هذا، وتعطي هذا، وتعفو عن هذا، وتحلم على هذا، فيحبك الناس كلهم، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أقربكم مني منـزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وكاد حسن الخلق أن يذهب بخيري الدنيا والآخرة) فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وابن ماجة والترمذي.وهذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله: (اتق الله حيثما كنت) وصية جامعة عظيمة شاملة لحقوق الله والعباد، فإنَّ حق الله عز وجل أن يتقى حق تقاته.والتقوى وصية الله عز وجل للأولين والآخرين.وأصل التقوى وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره من عذاب الله وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من العذاب في النار وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته وترك معصيته، هذه هي التقوى: فعل طاعة الله وترك معصيته، وتستطيع أن تعرض نفسك وتزنها وتعرف: هل أنت من المتقين أم أنك من الفجرة الأشقياء، وذلك عن طريق معرفة أوامر الله، وعرضك لنفسك على الطاعات، هل أنت منفذ لها؟ واعرض نفسك على المعاصي، هل أنت واقع فيها، فإذا وجدت أنك منفذ لأوامر الله، مبتعد عن مناهي الله، فاعلم أنك في أعلى درجات المتقين، وإن تكن الأخرى فلا حول ولا قوة إلا بالله!
 ترجمة أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما
وأيضاً يحدث به أبو ذر الغفاري ؛ وهو من السابقين إلى الإسلام، وهو من قبيلة غفار، واسمه جندب بن جنادة ، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ) وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم، والخضراء السماء، والغبراء الأرض.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أبا ذر ! يموت وحده، ويبعث وحده، ويأتي وحده).ويروي الحديث أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ وهو إمام العلماء يوم القيامة، فجميع علماء الأرض يأتون خلفه، وبينهم وبينه رتوة، يقدمهم رضي الله عنه وأرضاه وهو من فقهاء الأنصار، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وهذا الرجل كان يحب مجالس العلم، ولما حضرته الوفاة بكى، وكانت عنده بنت صغيرة، فقالت: يا أبتاه! ما يبكيك؟ أما تعلم أن ما لك عند الله خير من الدنيا، قال: [بلى والله! إني لا أبكي من الدنيا من أجل جني الثمار، ولا غرس الأشجار، ولكن لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولظمأ الهواجر، وسهر الليالي].
إضافات التقوى في القرآن وتعريفها
تقوى الله عز وجل تضاف أحياناً إلى الله، وأحياناً إلى النار، وأحياناً إلى يوم القيامة، بحسب سياق الوضع في القرآن الكريم، فإذا قيل: اتقوا الله كان معناها: اتقوا عذاب وبطش ونقمة وشدة الله عز وجل، يقول عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9] ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].وتارة تضاف إلى النار كما قال الله عز وجل: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].وتارة تضاف إلى يوم القيامة كما قال عز وجل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281] لأن يوم القيامة هو زمان العذاب، والنار هي مكان العذاب، فإذا وعد الله وقال: (اتقوا النار) فإنها المكان الذي يعذب فيه المجرمون، وإذا قال: (اتقوا يوم القيامة) فإنها الزمن الذي يعذب فيه المجرمون.وعن خوف الله وتقوى الله عز وجل تنشأ حياة القلب، ومن عدم التقوى تنشأ عقوبة الدنيا والآخرة، يقول الله عز وجل: وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] ويقول عز وجل: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:56] فهو أهلٌ لأن يتقى ويحذر ويخاف منه، وهو أهل لأن يغفر لمن تاب ورجع وخشي عذاب الله عز وجل وشدة الله وبأسه.
 ترجمة ابن مسعود رضي الله عنه وتعريفه للتقوى
سئل ابن مسعود عن معنى تقوى الله رضي الله عنه وأرضاه، وابن مسعود هو عبد الله بن أم عبد الهذلي ، كان قصير القامة؛ إذا وقف والناس جلوس كان في مثل طولهم، وكان دقيق الساقين، ولكن يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيقول: (من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كأنما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ) أي: ابن مسعود ، ويقول فيه: (ملئ إيماناً من مشاش رأسه إلى أخمص قدميه). ويقول وقد طلع يوماً من الأيام في نخلة يريد أن يجني منها ثمراً، فكشفت الريح عن ساقيه؛ فضحك بعض الصحابة لدقة ساقيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود، والذي نفسي بيده! لهما أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد ) فهما ساقان دقيقتان ولكنها أعظم عند الله من جبل أحد ؛ لأنها حملت رجلاً من أعظم الرجال، فمن الناس من سيقانه مثل سيقان الفيل ولكنها إلى النار -والعياذ بالله- لأنه لا يقف عليها بين يدي الله، ولا دخل بها بيتاً من بيوت الله، بل يصول بها ويجول في الملاعب والمنتزهات والشواطئ، ولكن أماكن الخير ومواطن الرضا لا يأتيها، هذه إن كانت سمينة، لكنها سمينة وإلى النار.لكن السيقان الدقيقة لم تحمل هذا الصحابي إلا في الخير، وفي يوم بدر ..، فـابن مسعود لما أسلم كان داعياً لبعض أهل مكة، وهو من قبيلة هذيل وهي قبيلة بجانب مكة، فلما أسلم علم به أبو جهل فلقيه في بعض طرقات مكة، وأمسك أذنه وكان يعركها، وقال له: أصبأت يا رويعي الغنم! قال: فسكت؛ لأنه لا يستطيع أن يتكلم فلو تكلم فإنه سيذبحه، قال: فأمسكني من أذني حتى ألصقني بالجدار ثم أخرج مسماراً من جيبه ودق إصبعي بالمسمار في الجدار، يقول: وبقيت معلقاً بالمسمار طوال يومي، حتى مر أبو بكر رضي الله عنه ففك المسمار والدم يسيل إلى الأرض، قال: فنسيتها.وجاءت الأيام ودارت الأعوام إلى أن جاءت غزوة بدر ، وقتل أبو جهل، قتل بضربتين مختلفتين من معاذ ومعوذ ابني عفراء من الأنصار، ولكنه لم يمت، ولا يزال يلفظ أنفاسه، فقام ابن مسعود يتفقد القتلى، فمر على أبي جهل وهو يكاد يموت، قال ابن مسعود : فصعدت على صدره -وصدر أبي جهل كصدر البعير- وأخذت سيفي وحززت عنقه، فقال لي: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم! إذا قطعت رأسي فأطل عنقي فإن العنق مع الرأس! حتى يبقى رأسي طويلاً وكبيراً، عزة حتى في الموت، الله أكبر! ما أشد عناد هذا الخبيث!يقول: فحززت عنقه -أي: قطعت رأسه- فلم أستطع حمله -فرأسه كرأس الثور كبير لا يُحمل -وابن مسعود صغير، فقد يكون رأسه أكبر من ابن مسعود ، قال ابن مسعود : (فحاولت أن أحمل رأسه فلم أستطع، فأخرجت سيفي وخرمت في مسمعه، ثم أتيت بحبل وربطته في مسمعه وسحبت رأسه، حتى قدمت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رآني الرسول تذكر ما حدث في مكة وقال: إيه يا ابن مسعود الأذن بالأذن والرأس زيادة) أذن في مكة بأذن هنا، ولكن معك مكسب؛ وهو الرأس، رضي الله عنه وأرضاه.وهو الذي يقول: [والله ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعرف أين نزلت، ومتى نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ليل أو نهار، وفي حضر أو سفر، في حرب أو سلم] عنده تخصص في معرفة كتاب الله، ومعرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: [تقوى الله أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر] أن تطيع الله فلا تعصيه، وأن تذكره، وكيف تنسى ربك الذي خلقك؟!! وما أعظم نعم الله على الإنسان، نعمة الخلق والإيجاد، والرزق والإمداد، والإيمان والإسعاد، ونعم لا تعد ولا تحصى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ [النحل:53] .. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] وأن يشكر فلا يكفر. وهذا معنى تقوى الله حق تقاته.
التقوى ومواطنها
يغلب استعمال التقوى عند التحذير من المعاصي، أي: إذا وجدت أحداً يريد أن يعمل معصية، تقول له: اتق الله، أي: خف الله خصوصاً الصغائر؛ لأن الصغائر يقع فيها الإنسان وهو لا يشعر.
 التقوى مطلوبة في كل شيء
المقصود أيها الإخوة: أنه صلى الله عليه وسلم لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان.اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع به ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء ... اتق الله حيثما كنت.ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط:اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة.اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله عز وجل.
آثار التقوى
تقوى الله عز وجل -أيها الإخوة- هي جماع كل شيء، وهي في السر كما هي في العلن، ولها تأثير على قلوب الناس؛ لأن من أضمر التقوى وأظهرها وعمل بها؛ قذف الله له النور في الأرض، وألقى الله له الحب والقبول في الأرض.وما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها سراً أو علانية. وما من شيء تخفيه إلا والله يظهره، يقول أبو الدرداء : [ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، قيل: كيف؟ قال: يخلو بالمعاصي فيلقي الله له البغض في قلوب الناس] فانتبه من معاصي الخلوة، فإنها مصيبة تنعكس مباشرة على الناس فيعرفونها فيك، ويقول الرسول عليه السلاة والسلام كما في حديث ثوبان والحديث في مسند أحمد ، قال: (يؤتى برجال يوم القيامة معهم حسنات كأمثال جبال تهامة ، فيقول الله لها: كوني هباءً. قالوا: لم يا رسول الله؟! قال: كانوا إذا خلوا بالله بارزوه بالعظائم) أي: هذه مصيبتهم أنهم يصلون ويصومون، ولكنهم إذا انفردوا ووقع بينهم وبين الناس حجاب، فإنهم لا يذكرون أن الله يراهم.أما المؤمن التقي لو كان في البحر وليس معه أحد فلا يمكن أن يقع في معصية الله؛ لأنه يستشعر مخافة الله، ويضع مراقبة الله بين عينيه! هذه هي التقوى، وإذا عمل الإنسان هذا ألقى الله عز وجل له القبول والحب.يقول أحد السلف: [إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه فيعرفون أثر ذلك] وهذا من أعظم الأدلة على وجود البارئ تبارك وتعالى، وقال أحد السلف: [إني لأعصي الله فأرى ذلك في سلوك زوجتي وخلق دابتي] يقول: الدابة والمرأة تعصيني، لماذا؟ لأني عصيت الله، لكن إذا لم تعصِ الله فإنك تجد كل شيء طيب، حتى ضرار الأسد في الغيران، كما يقول: خافوا الإله فخافهم كل الورى حتى ضرار الأسد في الغيران كان صلة بن أشيم العدوي رضي الله عنه من خيار المتقين، فهو شهيد وأبوه شهيد، كان يصلي في الليل في الغابات؛ وكان يقاتل في النهار وفي الليل يصلي، وفي ليلة من الليالي جاء يصلي فجاء أسد فشم الأسد رائحة الرجل وقرر أن يفترسه، فاقترب منه فكان يحطم الأشجار حتى وقف عنده، فما استطاع أن يتحرك أو يتقدم، فانتهى من الصلاة ونظر إلى الأسد وقال: أيها الكلب امض لما أمرك الله به، لا تشغلنا عن صلاتنا، ثم رجع وكبر، فقام الأسد يلوي ذيله ويزأر زئيراً يحطم الجبال، وتركه وذهب. ولكن بعض الناس عندما يصلي وينظر بعوضة، يرميها بيده ولا يستطيع أن يترك البعوضة، فكيف بهذا الذي ما أشغله أسد أتاه ثائراً.يقول هذا الرجل: [إني لأعصي الله فأرى أثر ذلك في سلوك زوجتي، وخلق دابتي].ومن أغرب وأعجب ما روي: عن أبي جعفر السائح، قال: كان حبيب أبو محمد تاجراً، فمر ذات يوم بصبيان وهم يلعبون، فقال بعضهم: جاء آكل الربا -تاجر صيرفي، فمر على أطفال صغار وهم يعرفونه لكن أحدهم نظر بنور الله فقال: هذا يأكل الربا- قال: فرجعت وقلت: يا رب! أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع هذا الرجل يبكي وقال: سري الذي لا يعرف به أحد أفشيته حتى عرفه الأطفال! كيف عرفوا أني أرابي؟!! ثم جمع ماله وقال: يا رب! إني أسير وإني أفتدي وأشتري نفسي منك بهذا المال، فأعتقني يا مولاي، ثم أصبح وتصدق بالمال الذي عنده كله، ثم مر في اليوم الثاني على الصبيان وهم يلعبون، فلما رآهم قال أحد الصبيان: اسكتوا. جاء العابد، فبكى وقال: يا رب! أنت تذم مرة وتحمد مرة وكل ذلك عندك.فيا أخي! عليك أن تراقب الله حتى يمدحك الله، وإياك أن تراقب الناس وتبارز الله بالمعاصي، وتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله، فإذا ذمك الله فلا ينفعك مدح العالمين، وإذا مدحك الله فلا يضرك ذم العالمين، فإن الحياة والموت، والضر والنفع، والإعطاء والمنع، والخفض والرفع بيد الله، والناس لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياةً، ولا بعثاً ولا نشوراً، بل كل شيء بيد الله، فراقب الله واتق الله حيثما كنت، أقولها بدءاً وختاماً، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا تقواه.اللهم ارزقنا تقواك واجعل تقواك بين أعيننا يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.وأشكر باسمكم جميعاً مركز الدعوة والإرشاد بمنطقة جدة ، وفي مقدمة العاملين به فضيلة أخي الشيخ الداعية علي الحكمي على هذه الجهود المباركة المشكورة التي يبذلونها في سبيل دعوة المسلمين، والتي من أبرزها تنظيم هذا البرنامج الشتوي الطيب المناسب الذي غطى كامل الليالي، واستمتع به المؤمنون الذين جاءوا إلى جدة من أجل أن يقضوا فترة الشتاء في هذا الجو الدافئ، فيجدوا هذا البرنامج الإيماني الذي يشغل أوقاتهم في محاضرات ليلية، ولقاءات إيمانية بالعلماء والدعاة والمشايخ، وأيضاً لذلك المكان الطيب الذي عملوه على شاطئ البحر؛ ذلك المخيم الإسلامي الذي أقامه مركز الدعوة بإذن من المسئولين على ذلك العمل.وهذا المكان يلتقي فيه الشباب المؤمن من أجل المذاكرة والمدارسة واللقاءات الإيمانية، فأنا أشكرهم على هذا، وأدعو إخواني الشباب أن يشجعوا هذا اللقاء وهذا المخيم، وأن يأتوا إليه ويقضوا أوقاتهم فيه من بعد صلاة العصر أو المغرب أو العشاء، ففيه يلتقي أهل الإيمان في رياض الإيمان مع العلماء والدعاة في حلقات ولقاءات إيمانية، أرجو الله أن يبارك في هذا العمل.وأيضاً ألفت أنظاركم في كل وقت ومناسبة وحين إلى ضرورة دعم مشروع الزواج الخيري في مدينة جدة ؛ لأن هذا المشروع الدعم فيه ليس مرة واحدة، بل الدعم متواصل في كل مناسبة ووقت، وإذا مررت بصندوق أدخل ريالاً، ليكون لك بهذا الريال لبنة في بناء أسرة تعيش على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا المشروع يشترط فيمن يدفع له إعانة الزواج أن يكون من الصالحين ليبني أسرة ويلتصق بامرأة مؤمنة، وينجب منها أولاداً صالحين، فتنشأ الخلايا الإيمانية في المجتمع، فأحثكم على التبرع، كما أحثكم على التبرع أيضاً لإخوانكم المجاهدين الأفغان، الذين ينتظرون دعمكم في كل وقت وحين، وبالأبواب صناديق لهيئة التبرعات، سواء من جمعية رعاية المتزوجين، أو من جمعية إغاثة المجاهدين الأفغان.أسأل الله أن يعينني وإياكم، ولا نبالي بالقليل ولو أنفقتم ريالاً أو خمسة أو عشرة ريالات: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].وإلى بعض الأسئلة باختصار؛ لأن الوقت قد ضاق عليكم. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
 التقوى مطلوبة في كل شيء
المقصود أيها الإخوة: أنه صلى الله عليه وسلم لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان.اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع به ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء ... اتق الله حيثما كنت.ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط:اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة.اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله عز وجل.
الأسئلة

 حكم تخويف الأطفال بالخرافات
السؤال: هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة?الجواب: أعيد لكم السؤال لأن البعض منكم ما سمع السؤال، شخص رأى أناساً يضربون رجلاً فجاء يضربه معهم، قالوا: لماذا تضربه؟ قال: مثلكم أتقرب إلى الله.فبعضكم ربما ضحك وهو لم يسمع السؤال، يقول السؤال: هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة؟النمنم شيء يخوف النساء به الأطفال ويقولون: إنه يأكل الناس، هذه أسطورة وخرافة ولا حقيقة لها، ولا يوجد نمنم يأكل الناس؛ لأن البشر لا يأكل إلا اللحم والرز والفاكهة والبرتقال والتفاح، أما أن هناك بشراً يأكل البشر فهذا غير صحيح، وهذه من أسوأ الطرق لتربية الأولاد، فلا تخوف الولد أبداً؛ لأنك إذا خوفته وهو صغير صدقك، وهو لا يصدق إلا أباه وأمه.ومن الخرافات أيضاً قولهم: (اسكت من السعلية) هذا كله تخويف بالباطل ولا يجوز، فلا تخوف ولدك وتحضر له العقد النفسية، وإذا خرج ورأى ظله خاف، لا تخوفه إلا من الله عز وجل، وما يدور كله كذب.وهذه مصيبة! فإذا كان الكبار يخافون من النمنم، حتى لو أن إنساناً يريد أن يأكلك .. كله، أو يريد أن يعضك .. عضه، أي: أنت مثله وليس أسداً أو أي شيء. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتق الله حيثما كنت للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net