اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف يكون النشور؟! للشيخ : سعيد بن مسفر


كيف يكون النشور؟! - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
البعث والنشور حقيقة حتمية لا مفر منها، ومستقبل متحقق لا محالة، والمصير بعده الجنة أو النار، وفي هذه المادة بيان لمراحل البعث وكيفيته، مع فوائد مهمة عن الفرق بين الصور والحقائق، وأن حقيقة الإيمان اعتقاد يتبعه عمل.
لكل شيء صورة وحقيقة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:لكل شيء في هذه الحياة صورةٌ وحقيقة، والصورة لا تغني عن الحقيقة شيئاً، ولا تقوم بدور الحقيقة، تقوم بدورها في الإعلام والبيان والإخبار فقط، أما في المسئولية والقيام بالواجب والدور الذي يُطْلَب من الحقيقة فلا تستطيع الصورة أن تؤدي دور الحقيقة.
 حقيقة الإيمان في أفغانستان هي السبب في هزيمة الروس
يقول سياف بعدما سَحَبَت روسيا جيوشها البشرية، وأوجدت الجيوش المدرَّبة من الشيوعيين الملاحدة الذين ربَّتهم وغسلت أدمغتهم من الإيمان، وزوَّدتهم بأفتك الأسلحة، وبأعظم ما تملك من قدرات، فيقول له الصحفيون: ماذا بك ؟! هل تتصور أنت أن المسألة ليست لصالح المجاهدين بعد أن قامت روسيا بمد جسر جوي من الذخائر والإمكانات والقوى، بينما المجاهدون لا أحد يعطيهم شيئاً، إلا ما غنموه من أيدي الكفار .وعندما سألوه: مَن يزودكم بالسلاح؟ قال: روسيا . قالوا: كيف ذلك؟! قال: نقتِّلهم ونأخذ أسلحتهم. فقال لهم سياف نحن قد بايعنا الله على الجنة بأموالنا وأنفسنا، وأما النصر على الأعداء، وفتح جلال أباد، واحتلال كابل، وطرد الشيوعيين فهذا ليس من ضمن العقد إنما هو ربح؛ لأن الله قال: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا [الصف:13] ما هي؟! نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف:13] وهذه ليست ضمن العقد؛ العقد: أن لكم الجنة بالمال والنفس، ادفعوا المال والنفوس ولكم الجنة، والربح إن جاء من الله فهو فضل. يقول: وإن لم يأتِ فالعقد الذي بيننا وبين الله قد أمضيناه، وما بقي إلا هذه، إن أتت فهي مكسب، وإن لم تأتِ فنحن والله لن نقف حتى نموت أو ننتصر.هذه هي القوة العظيمة، حتى اضطرت روسيا إلى أن تنسحب من أفغانستان ، وأن تراجع حساباتها مع مبادئ ماركس ، وأن تعلن التمرد عليها، ثم ينتشر هذا في الدول الشرقية: شرق أوروبا ، في رومانيا ، وتشيكوسلوفاكيا ، ويوغسلافيا ، وبلغاريا ؛ بلغاريا التي -قبل ثلاثة أشهر- تجبر كل مسلم أن يغير اسمه، إذا جاء له ولد لا يسميه محمد، ولا علي، ولا عبد الله، لا بد أن يسميه باسم كافر وإلا فالذبح، وقبل ثلاثة أيام اجتمع مجلس الشعب الخاص بهم وقرر إعطاء المسلمين حريتهم في اختيار أسمائهم، وممارسة عباداتهم، وعدم ممارسة أي ضغط عليهم: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف:13] فهذه هي الحقيقة -أيها الإخوة- وهذه هي الصورة.
حقيقة الإيمان
الإيمان في القلوب له حقيقة وله صورة، فما حقيقة الإيمان؟الإيمان له ثلاث حقائق:- حقيقة في اللسان.- وحقيقة في القلب والجنان.- وحقيقة في الجوارح والأركان.أما حقيقة اللسان فهي: النطق بالشهادتين.وحقيقة القلب هي: الجزم الذي لا يخالطه أدنى شك على قضايا الإيمان.وأما حقيقة الإيمان في الجوارح والأركان فهي: الخضوع والإذعان والاستسلام لكل أوامر الله، والبعد كل البعد عن كل ما حرم الله، وهذا هو الإيمان الحقيقي.ومن الناس من يقول: آمنتُ بلساني، ولكنه كذاب، ويقول: آمنتُ بقلبي، ولكنه كذاب.يقول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:8-10].
 الإيمان الصادق والإيمان المزيف
هذه حقائق قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا استقرت في قلبك وصدقتَ بها دفعتك هذه الحقائق إلى أن تقوم لتصلي؛ لكن إذا نُمْتَ ولم تقم لتصلي صلاة الفجر وأنت تعلم هذه الأوامر، فاعلم أن حقيقة الإيمان ما استقرت في قلبك؛ لأنه لو قيل لك: إن في المسجد في وقت صلاة الفجر خمسين ريالاً تُصْرَف، لو صدر أمر الآن أن خمسين ريالاً لِمَن يصلي الفجر في المسجد -الآن استقرت في قلوب الناس حقيقة الإيمان بالريال، وقوة الريال الشرائية- فإذا صلى الفجر وأخذ الخمسين من الإمام، فإنه يغدو إلى البيت ويأتي بفطور، ويأتي بغداء، ويشتري فاكهة، وغير ذلك ويبقى راتبه وراء ظهره، فمَن الذي يترك الصلاة في المسجد ذاك اليوم؟! هل أحد يتركها؟! لا تجد أحداً يتركها، هل سيقوم ليصلي ويترك أولاده نائمين؟! لا والله لا يخرج إلا وهم معه، ولو بالعصا.وأيضاً لو قيل للناس: إن الذي يأتي في الصف الأول يستلم الأول، والذي في الصف الثاني يستلم الثاني، والذي يأتي في الأخير ربما لن يستلم إلا الساعة السادسة والنصف أو السابعة؛ ما رأيك؟! هل يتضاربون على الصف الأول أم لا؟! بل بعضهم يأخذ بطانيته من نصف الليل، ويأتي لينام في الصف الأول:ما بك؟! قال: أنا مشغول غداً، لا أريد أن يفوتني الطابور، وهو ليس بمشغول؛ بل يريد أن يأخذ الفلوس.لكن من يؤمن بهذه الحقائق؟! الذين استقر الإيمان في قلوبهم.فتلك الخمسون ريالاً استقر الإيمان في جدواها، ومن أجلها نأتي لنصلي؛ لكن إذا لم تكن هناك فلوس، وليس هناك إلا الثواب والأجر، والجنة والإيمان فمن الذي يأتي؟! الذي استقر الإيمان في قلبه.أما ذلك المنافق المنكوس القلب الذي لا يؤمن إلا بلذاته وشهواته إذا سمع: الله أكبر، الله أكبر، مَطَّ البطانية ونام، هذا كذاب في إيمانه، دجال، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: (فرق ما بيننا وبين المنافقين صلاة العشاء والفجر).ويقول: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).الآن آمَنَ الناس إيماناً جازماً ما خالطه شك بنظام المرور!مَنْ السائق الذي يأتي إلى الإشارة الحمراء ويقطعها؟! لا أحد، ولو كانت زوجته معه ستلد، أو كان معه مريض سيموت فإنه لن يقطعها؛ لأن الإشارة حمراء، وإذا قطعها وهي حمراء ماذا يقول الناس عنه؟! الذي بجانبه، والذي وراءه، كلهم ينظرون إليه، ويطاردونه، ويأخذون رقمه، ويبلغون به: كيف تقطع الإشارة؟!حسناً.. الاتجاهات الآن بين أبها والخميس، اتجاه من اليمين ذاهب، واتجاه من اليسار عائد، أليس الناس كلهم على هذا الخط، أصحاب اليمين في اليمين، وأصحاب اليسار في اليسار؟! ما رأيكم لو أن شخصاً جاء من جوحان يقصد الخميس، فلا بد له أن يفترق من عند مفروشات المطلق؛ لكنه يقول: أنا مستعجل يا جماعة، لن أمشي من هناك، سأمشي من هنا، وعكس الخط ومشى، وكلما جاءته سيارة لَفَّ منها، ما رأيك؟! أليس كل مَن يأتي من الخميس ينكر عليه، ويضرب له المنبه، ويقف جانباً، ويقول: ارجع، لا يراك الناس، يا غلطان؟! لماذا؟!لأنه عاكسٌ للخط، وقد آمن الناس بهذا، ولذا لا أحد يعكس الخط، ولا أحد يقطع الإشارة، وكل واحد في خطه.لكن من الناس من يعكس الخط مع الله، ويقطع الإشارات على الله، لماذا؟!لأنه ما آمن بأن هناك من يراقبه ويسجل عليه، آمن بأن هناك من يراقبه إذا قطع الإشارة، ولذا إذا جئت في نصف الليل، أو الساعة الواحدة، أو الساعة الثانية، والإشارات لا زالت حمراء، فإنك تلقى السائق واقفاً، رغم أن الخط فارغ، ومع ذلك لا يمشي: ما بك لا تمشي؟! يقول: فلعل جندياً هناك وراء تلك الزاوية يراني.إيمان بالغيب حتى ولو أن الجندي نائم أو ليس بموجود؛ لكن استقرت هذه الحقائق في قلوب الناس.ولكن لم تستقر في قلوب الناس حقيقة الإيمان بعقوبة الله للعاصين وبثواب الله للطائعين، ولذا نرى الكثير من الناس يتساهل في الطاعات، ولا يهمه أمرها -والعياذ بالله- يتساهل في المعاصي ويقع فيها، ولا يقف عندها إلا أهل الإيمان، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم منهم.صاحب الإيمان يضطرب قلبه ويتقطع لنغمة يسمعها في الإذاعة عندما يريد سماع الأخبار؛ حيث يسمع قبلها موسيقى أو غيرها من آلات اللهو لماذا؟! لأنه مؤمن.لكن صاحب النفاق، لا ينبسط إلا إذا سمع تلك النغمات والآلات، بل يشتريها بفلوس، بعضهم يشتري الأسطوانات بعشرين وبثلاثين ريالاً، والأشرطة والأفلام ويسمعها! يشتري بماله ما يهلك نفسه ويسهر ليله، والشياطين تبرك عليه، وتغويه إلى أن يتفتت قلبه، ويطير قلبه في كل وادٍ وفي كل بيداء وفي كل صحراء بعيداً عن الله. فللإيمان صورة وحقيقة -كما قلت لكم- وصورة الإيمان لا تغني عن حقيقة الإيمان شيئاً، يوم القيامة يأتي المؤمن الحقيقي فيجد أن حقيقة إيمانه تنفعه؛ لأنه جاء بعملة أصلية، أما الذي جاء بصورة الإيمان فإيمانه مُزَيَّف. فالذي يأتي يوم القيامة بصورة الإيمان الذي ما أيقظه لصلاة الفجر، ولا حجزه عن الأغاني، ولا حجزه عن النظر إلى المحرم، ولا حجزه عن الكلام المحرم، ولا عن الغيبة، ولا عن النميمة، ولا عن أكل الحرام، ولا عن الوقوع في الزنا واللواط والحرام، هذا الإيمان لا يغني عنه شيئاً؛ لأنه إيمان مزيف، وإيمان كاذب.
كيف يكون النشور
درسُنا في هذه الليلة سيكون عن (كيف يكون النشور؟!) امتداداً لدروس في الماضي عن البعث واليوم الآخر، وسيكون هذا الدرس بعنوان: (كيف يكون النشور؟!).أي: كيف يتم بعث العباد ونشرهم من قبورهم؟!وهذا الدرس معادٌ، كنت قد ألقيته في الأسبوع الماضي في خميس مشيط، وقد عزمنا إن شاء الله على أن يُكَرَّر الدرس، فالذي يقال هنا يكرَّر هناك. لماذا؟لثلاث فوائد:الفائدة الأولى: أن المكرَّر يتقرَّر :-فالدرس إذا أخذتَه هنا وكررته في الخميس يُحْفَر في قلبك، ولن يضيع أثره، مثل الخط أو القلم إذا كتبتَ به على ورقة، الخط الأول واضح؛ لكن أعد عليه بالخط الثاني، ماذا يصير؟! أوضح، أليس كذلك؟! فالمكرَّر يتقرَّر.هذه واحدة.الفائدة الثانية: أن من فاته درس أبها لا يفوته درس الخميس.الفائدة الثالثة: أنه يسهِّل أيضاً على الملقي قضية المراجعة :-بحيث يمكنه أن يُعِدَّ ويراجع ويبحث خلال خمسة عشر يوماً، خاصة إذا كان مثلي، فأنا لا أجد فرصة كبيرة للمراجعة؛ نظراً لكثرة ارتباطاتي ومواعيدي.أسأل الله أن يعيننا وإياكم، وأن يجعل كل أعمالنا وإياكم في سبيل الله عزَّ وجل وخالصة لوجهه الكريم.
 نزول ماء من السماء تنبت منه أجساد العباد
قد جاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة مُخْبِرة بأنه يسبق النفخة الثانية نزول ماء من السماء، ينزل هذا الماء في فترة زمنية محددة بأربعين قيل: أربعون سنة، وقيل: أربعون يوماً، والخلاف وارد فيها، فبين النفخة الأولى التي يموت فيها الناس والنفخة الثانية التي يبعث فيها الناس، فترة زمنية ينزل فيها ماء من السماء كمَنْي الرجال، وهذا الماء تنبت منه أجساد العباد، كما تنبُت من الماء ثمار الأرض وخيرات الأرض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يُنْفَخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) والليت هو صفحة العنق، أي: إذا سمعوا الصوت فكل واحد ينتبه، من باب الاستعداد والترقب والتوجس لسماع هذه الصيحة، (وإن أول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض الإبل -أي: يغسله- فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد العباد، ثم يُنْفَخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون).
أدلة البعث والنشور
تنبت أجساد العباد كما تنبت الحبة في حميل السيل من الماء الذي ينزل من السماء، ثم تأتي النفخة الثانية والأجساد جاهزة بمجرد رجوع الروح، الروح قد خرجت ومات الإنسان؛ لكن إذا أعيد الجسد تأتي الروح ليقوم الإنسان مثلما يقوم من النوم، وإنبات الأجساد من التراب من معدنها الأصلي، فإن الإنسان في الأصل من أين جاء؟!من التراب: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [غافر:67] فالإنسان أصله مخلوق من التراب، ثم إذا مات يعود ويتحلل ويفنى، ويذهب في التراب، ثم إذا أراد الله إنباته مرة ثانية أخرجه من التراب: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] فمن الأرض خُلِقْنا، وإليها نعود، ومنها نخرج، فهي أمنا، هي الكافتة، الله يقول: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً [المرسلات:25-26] أحياءً تكفتهم، وأمواتاً تكفتهم، تكفتهم على ظهرها وتكفتهم في بطنها.
 الإنسان ينبت من عجب الذنب الذي لا يبلى
كذلك الإنسان في الآخرة يتكون ويبدأ مِن عظمٍ صغير، عندما يصيبه الماء الذي ينزل من السماء ينمو ويعود كما كان، وهذا العظم هو عَجْبُ الذنب، وهو عظم صغير في آخر السلسلة الفقرية -العمود الفقري- يَفْنَى الجسد، أو يُحْرَق، أو يُفَتَّت، أو يُطْحَنَ، وهذا العظم الصغير لا يَفْنَى.توجد بذور الآن تُحْرَق حرقاً، بل تُهْضَم وتؤكل وتتحوَّل، وإذا خرجت إلى الخارج تجدها تنبت، مثل بذور الطماطم، إذا أكل الإنسان الطماطم، وبعد أن يأكلها ويهضمها وتقطعها معدته، ثم إذا تغوط في الخلاء، وجاء المطر ترى نبت الطماطم يخرج، من أين؟! من النبتة التي ما هضمتها المعدة.كذلك هذه الحبة عَجْبُ الذنب الموجودة في آخر العمود الفقري؛ يَفْنَى كل شيء في الإنسان إلا هي، إلى أن ينزل عليها ذلك الماء من السماء.وأصل الذنب في آخر العمود الفقري دل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماءٌ فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى، إلا عظم واحد وهو عَجْبُ الذنب، منه يُرَكَّب الإنسان يوم القيامة).وهذا العظم في آخر العمود الفقري، قال في الحديث: (إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا: أي عظمٍ هو يا رسول الله؟! قال: عَجْبُ الذنب).وفي رواية في صحيح البخاري وفي الموطأ أيضاً، وعند أبي داوُد ، والنسائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذنب منه خُلِق وفيه يُرَكَّب).
حفظ الله لأجساد الأنبياء
قد دلت الأحاديث الصحيحة أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلاء، فجميع البشر تأكلهم الأرض إلا الأنبياء، وبعض الشهداء الذين يكرمهم الله عزَّ وجلَّ فلا تأكلهم الأرض، وقد حصلت هذه الكرامات لبعض شهداء أفغانستان ، شهداء ماتوا ووجدوهم بعد فترة طويلة ودماؤهم ما زالت تنزف، وأجسادهم ليِّنة رطبة كأنهم ما توا في تلك اللحظة.كذلك أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض لِمَا رواه أبو داوُد بسندٍ صحيح قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) لا تأكلهم الأرض فأجسادهم موجودة كما ماتوا إلى يوم القيامة، وإذا بُعِث الرسول يوم القيامة وإذا بجثته التي كان عليها يوم أن مات -صلوات الله وسلامه عليه-.وقد ذكرت كتب التاريخ أن مجموعة من النصارى أرادوا أن يسرقوا جسد النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا اثنين منهم، وجاءوا إلى المدينة المنورة ، وتعبدوا في الحرم -وهم نصارى- وأظهروا النسك والعبادة، وانقطعوا للعبادة في الحرم النبوي، وكانوا لا يخرجون من المسجد أبداً، بالليل والنهار عبادة، وقراءة، وبكاء عند القبر وعند الحُجْرَة، مِن أجل أن يبلغوا حاجةً في صدورهم، وهي سرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم، وأَمِنَهم الناس، وأحبهم الناس، ورأوا أن فيهم علامات الصلاح والولاية، وشيئاً لا يتصوره العقل.وكانت لديهم نقود أتوا بها من بلادهم والدول التي أرسلتهم، فقاموا واشتروا داراً قريبةً من حُجْرة النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها قبره، وصاروا يجلسون طوال اليوم وجزءاً من الليل في المسجد، ثم يذهبون وينامون في غرفتهم التي بجوار المسجد.ثم حفروا لهم حفرةًَ في وسط الغرفة، وبدءوا ينبشون الأرض من الداخل، من أمام المنطقة التي تصل بهم إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبطريقة مخفية وسهلة ولا يكتشفها أحد، وعلى مدة من الزمن، فهم لا يريدون أن يسرقوا الجسد في سنة، أو سنتين، أو ثلاث، بل لا يُخْرجون في بعض الأيام من التراب إلا زنبيلاً أو زنبيلين؛ لكن مع الزمن يقال: (جبال الكحل تفنيها المراود).فهؤلاء بدءوا في طريقتهم حتى لم يبقَ بينهم وبين جسد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلا شيئاً يسيراً.وإذا بالإمام المجاهد العظيم نور الدين الزنكي وهو في دمشق -حاكمٌ من حكام الدولة الأيوبية- إذا به يرى في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا نور الدين، أنقذني مِن هذين، وهما رجلان أمامه، فتفرَّس في وجهيهما ورآهما، فإذا بعلامات الصلاح والهداية والنور تبدو منهما.قال: فقمتُ وصليتُ ثم نمتُ، وإذا به مرة ثانية في الليل يقول: أنقذني يا نور الدين مِن هذين.قال: فصليتُ ونمتُ وعزمتُ أن أعمل شيئاً، وإذا بي أرى الرؤيا مرة ثالثة: يا نور الدين ، قم أنقذني مِن هذين.وإذا بالرجل لم يعد يأتيه نومٌ، فقام ونادى وزراءه، وأمر بالجيش وجهَّزه، وأخذ المال والرجال، وما أمسى بعد أسبوعين إلا في المدينة المنورة.ولما قَدِم المدينة المنورة نزل في بيته، وأعد وليمة وهدايا، وطلب من حاكم المدينة أن يجمع أهل المدينة كلهم، وأن يدخلهم من أمامه ليعطيهم الجوائز، فجمع الناس كلهم في صعيدٍ واحد وبدءوا يدخلون من أمام الملك والملك يقسِّم عليهم، وينظر في وجوههم، إلى أن انتهى الناس كلهم، ولم يجد أحداً تنطبق فيه صفات هذين الرجلين الَّذَين رآهما في المنام، سأل الأمير قال: بقي أحد في المدينة ؟قال: أبداً، لم يبقَ أحد إلاَّ رجلَين زاهدَين عابدَين منقطعَين في العبادة، لا يريدان الدنيا، ولا يريدان العطايا، ولا يرغبان في الجوائز، ولا يخرجان من المسجد، فهما من أهل الله، لا يأتون أبداً، قال: ائتوا بهم إليَّ.فأرسل الرجال، فأخذوهما، وجاءوا بهما، وعندما دخلا عليه، وإذا بهما هما اللذين رآهما في المنام، وهما صاحبا الصورة، فقال: أدخلوهما.فأدخلهما السجن، وبدأ التحقيق معهما، وتفتيش بيتهما، وعندما جاءوا إلى البيت وإذا بظاهره فراش ولا أحد يشك فيه، ففتحوه وإذا بالحفرة تحته، فنزلوا فيها وإذا بهم لم يبقَ بينهم وبين قبر الرسول إلا قريباً من شبر فقط. فأمر بقطع رأسيهما بعد أن اعترفا، فقالا: نحن جئنا من الجهة الفلانية لسرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم.فأمر بقطع رقبَتَيهما في السوق علناً، ثم أمر فضُرِب حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم بدائرة صبَّت بالرصاص، بحيث لا يستطيع أحد أن ينقضها بأي حالٍ من الأحوال، وهذا من حماية الله لجسد النبي صلى الله عليه وسلم.يبعث الله العباد على ما ماتوا عليه، ولهذا احذر لا تمُت وأنت حالقٌ للحيتك، فتُبعث حالقاً للحيتك. بأي وجه تقابل الرسول ووجهك ليس مثل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم؟!كيف تقابل الرسول وأنت حليق؟مَن قدوتك وأنت حالق؟! اسأل نفسك الآن: مَن الذي يحلق؟! هل هو الرسول؟! لا. هل هم الصالحون؟! هل هم الصحابة؟! لا. الذي يحلق هم المجوس واليهود والنصارى، فليسوا قدوتك أنت، الله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] لكن من هو الذي له أسوة حسنة في رسول الله؟! لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب:21] ولا تتذرع ولا تتعذر وتقول: والله اللحية لا تعني شيئاً، الإيمان في القلوب، نقول: صدقتَ، ولا نقول لك: إن الإيمان في اللحية، بل الإيمان في القلوب؛ ولكن للإيمان شواهد في الجوارح، ومِن شواهد الإيمان في الجوارح هذه اللحية، ولا نعني بذلك أن كل مَن ترك لحيته أصبح مؤمناً، لا. فقد يترك الإنسان لحيته وقلبه خاوٍ من الإيمان، ونحن لا نريد اللحى الشيطانية والجاهلية، نريد لحىً مبنية على الإيمان، الغرض منها التأسي والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تقُل: لا يا شيخ! هذه قشور، والكلام في اللباب، لا. ليس في الإيمان قشور ولا لباب، الدين كله لباب، الذي يقول: إن في الدين قشوراً ولباباً فهذا يهد الدين، وهل أمْرُ الرسول قشور؟! ليس هناك أمر للرسول إلا لباباً، صلوات الله وسلامه عليه.
 الإنسان ينبت من عجب الذنب الذي لا يبلى
كذلك الإنسان في الآخرة يتكون ويبدأ مِن عظمٍ صغير، عندما يصيبه الماء الذي ينزل من السماء ينمو ويعود كما كان، وهذا العظم هو عَجْبُ الذنب، وهو عظم صغير في آخر السلسلة الفقرية -العمود الفقري- يَفْنَى الجسد، أو يُحْرَق، أو يُفَتَّت، أو يُطْحَنَ، وهذا العظم الصغير لا يَفْنَى.توجد بذور الآن تُحْرَق حرقاً، بل تُهْضَم وتؤكل وتتحوَّل، وإذا خرجت إلى الخارج تجدها تنبت، مثل بذور الطماطم، إذا أكل الإنسان الطماطم، وبعد أن يأكلها ويهضمها وتقطعها معدته، ثم إذا تغوط في الخلاء، وجاء المطر ترى نبت الطماطم يخرج، من أين؟! من النبتة التي ما هضمتها المعدة.كذلك هذه الحبة عَجْبُ الذنب الموجودة في آخر العمود الفقري؛ يَفْنَى كل شيء في الإنسان إلا هي، إلى أن ينزل عليها ذلك الماء من السماء.وأصل الذنب في آخر العمود الفقري دل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماءٌ فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى، إلا عظم واحد وهو عَجْبُ الذنب، منه يُرَكَّب الإنسان يوم القيامة).وهذا العظم في آخر العمود الفقري، قال في الحديث: (إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا: أي عظمٍ هو يا رسول الله؟! قال: عَجْبُ الذنب).وفي رواية في صحيح البخاري وفي الموطأ أيضاً، وعند أبي داوُد ، والنسائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذنب منه خُلِق وفيه يُرَكَّب).
ما يختلف فيه حال المرء في الدنيا عن الآخرة
فالله يعيد العباد أنفسهم؛ ولكنهم يُخْلَقون خلقاً يختلف عما كانوا عليه في هذه الحياة، هناك اختلافات، ما هي الاختلافات؟الاختلاف الأول: أنهم بعد هذه الإعادة لا يموتون أبداً:لأن الله يقول: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17] لا أهل الجنة يموتون ولا أهل النار يموتون، لا أهل الجنة يموتون بزيادة النعيم، ولا أهل النار يموتون بزيادة العذاب.وفي الحديث الذي رواه الإمام الحاكم بسندٍ صحيح قال: عن عمرو بن ميمون الأودي قال: (قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود -قبيلة- إني رسول رسول الله إليكم، أُعْلِمُكم بالمعاد إلى الله، ثم إلى الجنة أو النار، وإقامة لا ظعن فيها، وخلود لا موت فيه، في أجسادٍ لا تموت ولا تبلى).وراوي الحديث هذا عمرو بن ميمون الأودي هو راوٍ لحديث في صحيح البخاري ، حديث القِرَدة، في فضائل الصحابة، في مناقب الأنصار في صحيح البخاري :الحديث: (أنه كان في سفر من مكة إلى المدينة ، وفي الطريق نام تحت حجر في هضبة، وبينما هو مستلقٍ يرتاح، إذا بالقردة عنده، فرأى قرداً كبيراً في السن معه قردة شابة -زوجته- نائمة هي بجانبه، وبينما هما نائمان إذ أخْرَجَتْ -نزعت- يدَها من تحت رأسه وتركته وذهبت وراء الحجر، فجاءها قرد شاب وفعل بها، ثم رجعت وأدْخَلَتْ يدَها تحت رأسه ونامت -كأنه لم يحصل شيئاً- لكنه لما استيقظ شم سوءتها، ثم صاح صياحاً عنيفاً، فاجتمع القردة وأمسكوا بها ووضعوها في الوسط، وبدءوا يفتشون كل القردة حتى جاءوا بذاك القرد الذي فعل بها، وجمعوه مع القردة، وعملوا لهما دائرة، ورجموهما بالحجارة حتى ماتا) هذا الحديث في صحيح البخاري ، ويستدل به العلماء على أن الزنا جريمة وفاحشة تأنَف منه حتى الحيوانات، حتى القردة لا تمارسه، وبعض البشر يمارسه والعياذ بالله.هذه خاصية؛ أنهم لا يموتون.الخاصية الثانية: أنهم في الآخرة يُبصرون ما لم يكونوا يبصرونه في الدنيا :فإنهم يرون الملائكة: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان:22] ويرون الجن، هذه خاصية ليست موجودة في الدنيا.الخاصية الثالثة: أن أهل الجنة لا ينامون، وأهل النار أيضاً لا ينامون:فأهل الجنة لا ينامون حتى لا يفوتهم شيء من النعيم، وأهل النار لا ينامون حتى لا يستريحوا من شيء من العذاب؛ لأن النوم راحة؛ لكن ليست هناك راحة في النار، وليس هناك فوات لِلَحظة من لحظات النعيم في الجنة، بل نعيم في نعيم.الخاصية الرابعة: أنهم لا يتغوَّطون، ولا يبصقون، ولا يتبوَّلون:وإنما أكلهم في الجنة رَشْحٌ، لونُه لون الرشح والعرق، وريحه ريح المسك.وهذه خاصية ليست موجودة في الدنيا.الخاصية الخامسة: أنهم يرون الله تبارك وتعالى في الجنة، بالنسبة لأهل الإيمان، وأهل النار لا يرون الله تبارك وتعالى.
 الإنسان ينبت من عجب الذنب الذي لا يبلى
كذلك الإنسان في الآخرة يتكون ويبدأ مِن عظمٍ صغير، عندما يصيبه الماء الذي ينزل من السماء ينمو ويعود كما كان، وهذا العظم هو عَجْبُ الذنب، وهو عظم صغير في آخر السلسلة الفقرية -العمود الفقري- يَفْنَى الجسد، أو يُحْرَق، أو يُفَتَّت، أو يُطْحَنَ، وهذا العظم الصغير لا يَفْنَى.توجد بذور الآن تُحْرَق حرقاً، بل تُهْضَم وتؤكل وتتحوَّل، وإذا خرجت إلى الخارج تجدها تنبت، مثل بذور الطماطم، إذا أكل الإنسان الطماطم، وبعد أن يأكلها ويهضمها وتقطعها معدته، ثم إذا تغوط في الخلاء، وجاء المطر ترى نبت الطماطم يخرج، من أين؟! من النبتة التي ما هضمتها المعدة.كذلك هذه الحبة عَجْبُ الذنب الموجودة في آخر العمود الفقري؛ يَفْنَى كل شيء في الإنسان إلا هي، إلى أن ينزل عليها ذلك الماء من السماء.وأصل الذنب في آخر العمود الفقري دل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماءٌ فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى، إلا عظم واحد وهو عَجْبُ الذنب، منه يُرَكَّب الإنسان يوم القيامة).وهذا العظم في آخر العمود الفقري، قال في الحديث: (إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا: أي عظمٍ هو يا رسول الله؟! قال: عَجْبُ الذنب).وفي رواية في صحيح البخاري وفي الموطأ أيضاً، وعند أبي داوُد ، والنسائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذنب منه خُلِق وفيه يُرَكَّب).
من أحوال البعث والنشور

 بعث جميع المخلوقات حتى السباع
جميع النصوص الواردة تدل على أن جميع المخلوقات؛ الجن، والإنس، والملائكة، والهوام، والوحوش، والسباع، والطيور، كلها تُحْشَر.ولكن اختلف العلماء فقط في قضية البهائم! هل تُحشر أم لا؟والصحيح من أقوال أهل العلم وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية : أنها تُحشر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : أما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دلت على ذلك الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عزَّ وجلَّ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38].ويقول عزَّ وجلَّ: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5].ويقول: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى:29].وحَكَى الإمام القرطبي خلافاً بين أهل العلم في حشرها؛ ولكنه رجح كما رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحشر لكل المخلوقات ومن ضمنها الوحوش، بنص الآية وبنص الأحاديث التي وردت في هذا.نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحشرنا وإياكم في زمرة النبيين، وأن يبعثنا وإياكم مبعث الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 حكم الحركة الكثيرة في الصلاة وأنها تنافي الخشوع
السؤال: ماذا تقول فيمن يلعب بغترته، ويبعثر لحيته أكثر من مرة بعد تكبيرة الإحرام؟ أفتونا ولكم جزيل الشكر؟الجواب: هذا الرجل الذي يعبث بلحيته ويلعب بغترته قلبه غير خاشع؛ لأنه لو خشع قلبه لسكنت جوارحه، فإذا رأيت الإنسانَ يعبثُ ويصول ويجول ويتحرك، ويُكثر، فاعلم أن قلبه ليس موجوداً في المسجد؛ لأن القلب إذا شَرَد تمردت الجوارح، العين تبدأ تنظر، والأذن تبدأ تسمع الكلام الذي في الخارج، واليد تبدأ تحك، والجسم يبدأ يضطرب، وكل شيء يبدأ في الحركة، أما إذا حضر القلب، وبدأ الإنسان يركز ويفكر ويؤكد على قضية الخشوع فإن كل شيء يخشع؛ لأن القلب ملك الجوارح، إذا كان مدير الإدارة موجوداً في الدائرة فما رأيكم في بقية الموظفين؟! الكل على مكتبه، أليس كذلك؟! لكن إذا خرج المدير فماذا يفعلون؟! يسألون: المدير موجود؟!فيقال لهم: لا. فيقال: إذاً: عندي عذر، أو عندي معاملة، أو أريد أن أذهب إلى السوق، أو أريد أن أذهب إلى المستشفى.ولن يقعد أحد.وكذلك فمدير الجوارح هو القلب، إذا حضر تجد كلَّ شيء مكانه، العين لا تقدر أن تنظر، والأذن لن تسمع، واللسان كذلك، لماذا؟! لأن القلب موجود، أما إذا خرج القلب خرجت الجوارح، هذا مثال واقعي تماماً (100 %).فنقول للأخ الكريم: إن هؤلاء نسأل الله أن يتوب علينا وعليهم، وأن يحمينا وإياهم من نزغات الشيطان.وهناك وسائل كثيرة لجلب الخشوع في الصلاة، وإن شاء الله سوف أقدم درساً خاصاً في هذا الموضوع بعنوان: (كيف يخشع المسلم في صلاته؟!) فالخشوع ليس سهلاً -يا إخواني- هذا لا يقدر عليه إلا أفراد من البشر؛ لأن كثيراً من الناس يستطيعون قمع الشيطان، وقهره بأداء الصلاة جماعة في المسجد؛ لكن الشيطان يعرف أنه لا يُكتب للإنسان من صلاته إلا ما حضر فيها قلبُه، فهو يَسْمَح لهم بأن يأتوا ليصلوا؛ لكن لا يسمح لهم بأن يصلوا بخشوع، ولذا جرب أنت من الآن، لما نصلي العشاء الآن جرب وحاول وأنت تسمع الفاتحة أن تركز على المعاني، وأن تفكر في الصلاة، وفي الآخرة، وفي الجنة، وفي النار، ولا تركز في أي شيء خارج الصلاة، كيف تشعر؟! تشعر بضيق، تشعر بانقباض، من أين جاء الضيق والانقباض؟! من الشيطان، ولا يزال بك إلى أن يأخذ قلبك فتخرج من الصلاة، وكثير من الناس يخرج قلبه من الصلاة؛ لكن لو جئت تأكل لتتعشى، ووضعوا أمامك؛ سفرة الطعام؛ وفيها الأرز واللحم والمحلبية والسلطة والإدام والعيش واللبن، هل يفكر الإنسان في غير هذه؟ أيوسوس في غير الأرز؟! أم يوسوس في غير اللحم؟! أبداً، لا وسواس إلا في هذا؛ لكن في الصلاة لا يحضر قلبك، لماذا؟! لأن الشيطان حريص عليك أنك لا تصلي.فالموضوع هذا مهم جداً، ولا يثبُت له ولا يستطيع عليه إلا من وفقهم الله، وإن شاء الله نتعرض لهذا الموضوع بشيء من التفصيل في رسالة كاملة إن شاء الله، أو في موضوع درس كامل (كيف يخشع المسلم في صلاته؟!) لأن الخشوع له أسباب:أسبابٌ قبل الصلاة: أسباب تبدأ وأنت ما زلت في البيت.وأسبابٌ في مشيك، وأسبابٌ في وقوفك في صلاتك كتحية المسجد، وأسبابٌ في قراءتك للقرآن: أتدري أن قراءتك للقرآن بين الأذان والإقامة لها دور في خشوع القلب، وأسبابٌ في الدعاء: الدعاء الذي تدعو به بين الأذان والإقامة؛ لأنه وقت إجابة، فله سبب في حضور القلب، وأسبابٌ في التفكُّر، وأسبابٌ في التذكُّر، وأسبابٌ في المراعاة، وأسبابٌ بعد الصلاة: في أثر الصلاة في حياتك.هذه كلها تؤثر على خشوع القلب.لكن من يقعد في بيته إلى أن تقام الصلاة، ثم إذا أقيمت جاء جرياً، ثم دخل: الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1] وهو مُتعب ويسرع في صلاته، كيف يخشع هذا في صلاته؟!هذا مسكين، هذا مخدوع.لكن ذاك الذي يأتي من الأول، ويصلي، ويجلس، ويدعو، ويقرأ، ويرتل، ثم يقوم وهو مستعد، هذا الذي يصير في قلبه خشوع.وإن شاء الله سوف نتعرض لهذا بإذن الله في المستقبل. والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف يكون النشور؟! للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net