اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات قرآنية في سورة الأنعام [2] للشيخ : سعيد بن مسفر


تأملات قرآنية في سورة الأنعام [2] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن المتأمل لآيات سورة الأنعام يجد أنها ناقشت قضية العقيدة بأسلوب عقلي، وبعد أن انتهت من سرد الحقائق التي لا يسع العقل ردها، بينت أن رحمة الله واسعة لكل من سلم بهذه الحقائق، وأوضحت الأجر الجزيل الذي ينتظر هذه الفئة من الناس.بعد ذلك تحول الأسلوب إلى أسلوب وعيد وتهديد لكل من حمله عناده على التردد في قبول هذه الحقائق فضلاً عن رفضها بالكلية، وقد جاء في إطار ذل بيان مصارع المكذبين، ومصير المعرضين.
تفسير آيات الرحمة من سورة الأنعام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الأحبة في الله: هذا الدرس بعنوان: (تأملات قرآنية) ويأتي ضمن سلسلة الدروس التي هي بهذا العنوان، وتلقى بشكل دوري، مرة في كل شهر، ونتناول فيها بعض المفاهيم والنظرات والوقفات التي تهدي إليها وتدل عليها بعض آيات سورة الأنعام.والآيات التي سوف نتأملها هذه الليلة هي في سعة رحمة الله عزَّ وجلَّ، وقد جاءت في بيان الله عزَّ وجلَّ أنه كتب على نفسه الرحمة، وجاءت هذه الآية في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء، وما ختم الله عزَّ وجلَّ به من التهديد المخيف، ومن الوعيد الشديد لأولئك المكذبين والمعرضين، والذين يعدلون بالله عزَّ وجلَّ غيره من آلهتهم المزعومة، ثم ما جاء به من لفت الأنظار، وتوجيه القلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين من الأمم الغابرة، وأن مصير من يكذب لن يختلف عن مصير أولئك المكذبين.كما أنها تأتي -هذه الآيات- بعد الحديث الذي عرض حقيقة الألوهية في المجال الكوني والمجال الإنساني، وفي كل مجالات الحياة؛ عرضت حقيقة الألوهية في مجال خلق السماوات والأرض، فافتتح الله عزَّ وجلَّ السورة بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].ثم لفت النظر من خلال خلق الإنسان من طين: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2].ثم إحـاطة علم الله عزَّ وجلَّ بسر وجهر الناس، وبما يكسبونه: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3].تأتي هذه الآيات بسؤال يوجهه الله عزَّ وجلَّ إلى الناس، ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، فيقول ربنا عزَّ وجلَّ للرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام:12] ثم يأمره الله بالجواب، فيقول: قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] فإنه المالك، ولا يستطيع أحد أن يقول أو يتطاول أو يزعم أن له ما في السماوات وما في الأرض إلا الله، قد يزعم أو يتطاول بعض الناس فيدعي أن له شيئاً مما في السماوات والأرض، فقد تقول أنت: هذه أرضي ومزرعتي وعمارتي وشقتي؛ هذه جزئية لك، بقدرك .. بحسبك، وقد يقول -مثلاً- أمير منطقة: هذه منطقتي، ويقول رئيس دولة: هذه بلادي .. مملكتي .. دولتي .. لكن من يجرؤ على أن يقول: الأرض كلها أرضي، والسماء كلها سمائي، وما بينهما وما تحت الثرى لي، وما فوق الأرض والسماء لي؟! من يستطيع إلا الله؟! فالله تعالى يقول: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:12-13].
 تفسير قوله تعالى: (قل الله...)
قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] اكتفى بالرد بهذه الآية فقط؛ إذ لا سبيل إلى المرية أو الشك أو المنازعة في هذا، لا يوجد أحد يستطيع أن يقول: إن أحداً مع الله شريك في السماوات والأرض، والدليل على ذلك: أن كل من يدَّعي ملك شيء يترك هذا الملك، فبيتك هذا تقول: بيتي. طَيِّبٌ! لا تقل: بيتي، قل: بيت الورثة؛ بعد سنة أو سنتين إذا بك نازل على رأسك وقد كنت تمشي على رجليك، والآن تُنَزَّل منكوساً، إذاً هذا بيتك، أم بيت الناس؟! بيت الناس.تقول: هذه سيارتي. تَرَكْتَها.تقول: هذه زوجتي. تَرَكْتَها.تقول: هذه إدارتي. فصلوك منها.تقول: هذه رتبتي. نزعوها من على كتفك وتركوك.تقول: هذه وزارتي. أحالوك.تقول: هذه مملكتي. متَّ وأخرجوك.إذاً: لمن الملك أصلاً؟! لله. ولهذا يوم القيامة بعد أن يفني الله عزَّ وجلَّ الكون كله، ينادي تبارك وتعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]؟! أين الجبابرة؟! أين القياصرة؟! أين الأكاسرة؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على نفسه تبارك وتعالى فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] لا شريك له فهو المالك.ولـهذا لَـمْ تأت الآية بمزيد توضيح؛ إذ لا مجال للمراء والشك في هذه القضية، فهي قضية من المسلَّمات، قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] لكن العبرة والعظة فيما جاء بعدها: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] سبحانه ما أعظمه! المالك الذي لا ينازَع في ملكه؛ ولكن منه فضلاً ورحمة ومِنَّةً كتب على نفسه الرحمة، مَن ألزمه بأن يكتبها؟! من طلب منه أن يكتبها؟! كتبها ابتداءً منه وفضلاً منه، كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] كتبها بمشيئته وبإرادته، لم يوجبها عليه موجِب، ولم يقترحها عليه مقترح، ولم يقتضها منه مقتضٍ، ولم يطلبها منه طالب؛ ولكنها إرادته المطلقة، وربوبيته الكريمة.
رحمة الله .. تعريفها وضابطها

 مقتضى رحمة الله لعباده
هذه -أيها الإخوة- تقتضي مِنَّا أن نكون مؤدبين مع الله؛ فعندما نعلم أنه واسع الرحمة يجب أن نكون كثيري الطاعة، لا المعصية معتمدين على سعة الرحمة، كما يقول الحسن البصري : [إن قوماً غرَّهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل].مثال: ولله المثل الأعلى؛ إذا وُجد مدير إدارة، ذو خلق كريم، وشهم .. يقدر الرجال، يؤدي العمل ويحترمه، ويحترم الأفراد العاملين معه، ويراعي ظروفهم، ويحقق مصالحهم، ويهيئ لهم كل فرص تحسين الوضع، وإذا وقع لأحد العاملين ظرفاً ساعده وفزع له ويعطيه إجازة، وإذا حصل عليه شيء يجمع له، المهم رجل شهم بمعنى الكلمة، كيف يتعامل الناس مع هذا المدير؟! على رجلين:الأول: موظف شهم فاضل؛ فيتعامل معه من هذا المنطلق، فتجده من أحسن الناس أداء، ودواماً، وإتقاناً؛ لماذا؟ لأنه يحترم المدير، يقول: هذا المدير رجل فاضل، نستحي والله أن نتأخر، أو أن نؤخر العمل عندنا، أو أننا نغلط معه، هذا رجلٌ أَكْرَمَنا وغطَّانا بفضله، كيف نتعامل معه؟! هذا هو منطق الأخلاق؛ أن تتعامل مع المدير بمثل ما يتعامل معك به.الثاني: موظف سافل لا خير فيه، ولا خُلُق، استغلَّ طيبة المدير وخلقه وكرامته وشهامته؛ فضيَّع العمل .. ما رأيكم في هذا الإنسان؟! بماذا سيتعامل معه المدير؟! هل بنفس الأسلوب أم يغيره له، ويقلب له ظهر المجن، تجد المدير هذا الذي هو أحسن واحد، يصير أشرس واحد، لماذا؟ يقول: هذا لا يستحق التعامل الحسن. ولله المثل الأعلى! إن سعة رحـمة الله يجب أن لا تطمعنا في معصيته، وتجرِّئنا على مخالفة أمره، وهذا مذهب المرجئة ، يقول فيهم زيد بن علي : " إني أبرأ إلى الله من المرجئة ؛ فإنهم أطمع الفسَّاق في رحمة الله، وأجرؤهم على معصية الله."ولكن هناك توازن في التعامل مع الله، فتطمع في رحمته وتشفق من عقوبته، فتحملك معرفتك برحمته على الرجاء، وتحملك معرفتك بعقوبته وشدة بأسه على الخوف، فتعيش متوازناً بين الخوف والرجاء، هذه هي مسألة المؤمن؛ فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء إلى أن يموت، وفي ساعات الموت ماذا يفعل؟ يدع الخوف ويُغَلِّب الرجاء، لماذا؟ لأنه لم يعد هناك مجال للعمل؛ أي: لم يعد معك إلا ما تحسن به الظن، ويضرب العلماء في هذا مثالاً: الطالب وهو يذاكر أثناء العام الدراسي يعمل بين الخوف والرجاء، الخوف من نتائج الامتحان والأسئلة التي سوف يضعها الأستاذ، والرجاء لأنه والحمد لله مذاكر وذكي وفاهم للمادة، وأيضاً الأستاذ يعرف كيف يصحح الأسئلة والإجابات الصحيحة، هذا خوف ورجاء؛ لكن إذا دخل الصالة، ماذا يُغَلِّب؟! ووقع الورقة وكتبها وخرج إلى الخارج وقرأ الأسئلة وقارنها لم يعد عنده خوف، بل يصير عنده رجاء؛ رجاء في عطف الأستاذ ورحمته، ورجاء في اللجنة التي يسمونها لجنة الشفقة -لجنة الرحمة- التي تنظر في الأوراق إذا بقيت نصف علامة أو علامة ونصف فتضيفها.وأنت كذلك يجب عليك في هذه الحياة أن تعيش متوازناً بين الرجاء والخوف؛ ولكن تغلِّب في الدنيا جانب الخوف لكي تنحجز عن المعاصي وتمشي في الطاعات، فإذا كنت مودعاً للدنيا إلى الآخرة تغلب جانب الرجاء، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يموت أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)، وإحسان الظن كما يقول ابن القيم : يقتضي إحسان العمل، فمن أحسن الظن بالله أحسن العمل في التعامل مع الله عزَّ وجلَّ.
مظاهر رحمة الله تعالى
إنَّ رحمة الله عزَّ وجلَّ هي الأساس والأصل في تعامل الله عزَّ وجلَّ مع العباد، وهذه الرحمة لها مظاهر وصور، وما من لحظة من لحظات الحياة إلا وهي رحمة الله عزَّ وجلَّ ظاهرة فيها، بل لو تخلت عنك رحمة الله لحظة واحدة لهلكت. تصور والله عزَّ وجلَّ يجري لك النفس الذي تستنشقه من الهواء، فيدخل إلى الرئتان، وتنقله الرئتين إلى القلب والدم، ويؤكسد الدم وينظفه ويصعد، لو حُبست عنك هذه اللحظات -أي: لو حبس النفس لحظة واحدة- ومنع الله منك رحمة الهواء، كيف تعيش؟! ولو سقطت قطرة من قطرات الماء التي تشربها ونزلت في البلعوم الخاص بالهواء، ماذا يحصل؟ تسمى: شَرْقَة، والشَّرْقَة هي: نزول الماء أو الغذاء في البلعوم، لأن في الرقبة قصبتين:الأولى: المريء، وهي قصبة من الفم إلى فم المعدة، وهذه القصبة فيها عضلة، فإذا دخلت اللقمة تضرب العضلة فيها، وتعصرها حتى تنزلها إلى تحت، وبعد ذلك تنطبق ولا تسمح بخروج شيء، ولهذا ترى الواحد إذا انتكس على رأسه يمارس الرياضة، لا ينزل الذي في بطنه؛ لأنها تُقْفَل؛ لكن من هنا مفتوحة، أي شيء ينزل ولا يصعد.الثانية: بجانبها قصبة ثانية، اسمها: البلعوم، وهذه قصبة غضروفية مفتوحة باستمرار، وتوصل إلى الرئة.وبين القصبتين -بين المريء وبين البلعوم- جندي واقف يسمح بمرور الطعام والهواء بالتناوب، تسمى عندنا في الجنوب: (الطُّرَّاعة)، وتُسمى في بعض الأماكن: (اللهاة)، واسمها في العلم: (لسان المزمار)، وهي لحمة موجودة، إذا تكلم الواحد سدت الفتحة الخاصة بالطعام؛ لأنه يتكلم بالهواء؛ وإذا أراد أن يأكل سدت الفتحة الخاصة بالهواء، فإذا تكلم وهو يأكل ماذا يصير؟ يصدر أمراً إلى هذه اللحمة أن افتحي هنا وافتحي هنا، فتدخل حبة أرز أو قطرة ماء في القصبة الخاصة بالهواء، فيحس الإنسان بشَرْقَة، هذه الشَّرْقَة كفيلة بأن تجعلك تموت، من يخرج الحبة من رئتك إذا دخلت؟! من ينزل قصبة تخرج القطرة التي نزلت إلى رئتك، رئتك لا تقبل قطرة ماء، ولا تقبل حبة أرز؛ لكن رحمة الله تدركك، فتصدر إشارات من المخ إلى الرئة أنه يوجد جسم غريب دخل، اطردوه، فتقوم الرئة تطلق صفارات الإنذار على الدفاع الداخلي ويحدث السعال، وإذا طُرِدَت النقطة قال: الحمد لله، كنت سأموت! وترى عينيه ترقرقت بالدمع، من أجل قطرة تموت؟ ما أضعفك! ما أحقرك أيها الإنسان! من أجل قطرة، لو أن الله ما طرد منك هذه القطرة لكنتَ متَّ؛ لكن رحمة الله عزَّ وجلَّ تدركك.هذه الرحمة -أيها الإخوة- لها صور، ولها مظاهر كثيرة جداً، ولو تكلم عنها الإنسان ساعات طوال ما أدركها ولا أحاط بها؛ لكن سنتكلم عن بعضها، وعن أشملها وأظهرها:
 من مظاهر رحمة الله: إنزاله لرحمة يتراحم بها الخلق في الدنيا
أيها الإخوة: هذه الرحمة ضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة وقربها إلى القلوب حتى تُفهم، وهذا شأنه صلى الله عليه وسلم في حياته الدعوية أنه كان يقرب المفاهيم والمعاني إلى قلوب الناس بالأمثلة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].أخرج البخاري ومسلم حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جعل الله الرحمة مائة رحمة، أمسك عنده تسعاً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً من المائة، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) بسبب هذه الرحمة! وتصور جزءاً واحداً العالم كله يتراحم به الآن، فتجد الناس في قلوبهم رحمة؛ إذا مَرَّوا على طفل صغير يبكي يأخذونه، ولو لم يكن ولدهم، وإذا رأوه مريضاً واقعاً في الأرض يسعفونه، ولو أنهم لا يعرفونه، إذا رأوه جائعاً يرحمونه، كم؟ كل الناس يرحمون.حتى الكفار في قلوبهم رحمة؛ توجد عندهم جمعيات: الرفق بالحيوان، وجمعيات الإغاثة، وجمعيات المنكوبين، وجمعيات اللاجئين ... هذه الجمعيات سببها ماذا؟ وجود رحمة.والبهائم فيها رحمة؛ فالدجاجة وهي دجاجة صغيرة، ترحم فرخها وتحن عليه، وتمتنع من الطعام والشراب، وإذا قط يريد أن يأكله، ماذا تفعل الدجاجة؟ تستسلم وتهرب من القط، والقط عدوها يأكلها؟ لا، تتحول الدجاجة إلى مصارع وعدو، تأخذ جناحيها وتفعل بطرفيها هكذا، وتقفز إلى ظهره، وتنقره في عينه -لماذا تأتي على فراخي- ما الذي أعطاها هذا؟ الرحمة، رحمة الله تبارك وتعالى.والتبيع الصغير يخرج من بطن أمه ويقع في الأرض .. لا يوجد مستشفى يؤخذ إليه، ولا ولادة، ولا حفائظ .. ولا أي شيء، تقوم الأم البقرة بالمهمة فتخرج لسانها وتمسحه، إلى أن تنظفه وتجعله مثل الوَدَعَة، من علَّم البقرة أن تعمل هذا العمل؟ والحديث يقول: (وبها ترفع الدابة حافرها) ما أدرَى الدابة أن هذا يستحق الرحمة الآن، إذ لو رَصَعَتْه مات.القطة تضع أولادها الصغار ثم تأخذهم من مكان إلى مكان، تراها آخذة ابنها، تمسكه من رقبته من هنا، وتأتي به، وتضعه هناك، وترضعه، وتصيح إذا لم يتركها أحدٌ ترضعه .. من؟ إنه الرحيم الرحمن تبارك وتعالى.وهذا التمثيل يقرب للإدراك البشري تصور سعة هذه الرحمة.وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه ذلك، يقول عمر رضي الله عنه: قُدِمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فكانت فيه امرأة من السبي، تسعى وقد تحلَّب ثدياها، مرضع ضاع منها ولدها، ولمَّا سُبيت وجدت ثدييها تدرَّان باللبن، وإذا بعينيها تزوغ، تبحث عن ولدها في أي مكان، يقول: ثم نظرت، فإذا صبيها موجود، فأسرعت إليه، واحتملته، وألصقته بصدرها، ثم حنت عليه، وأرضعته، فقال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (أترون هذه مُلْقِيَةً بولدها في النار وهي تقدر؟ قالوا: لا، قال: والله إن الله أرحم بعباده من رحمة هذه بولدها) اللهم أدخلنا برحمتك يا أرحم الراحمين.يا إخواني: والله كل هذه الأحاديث وكل هذا الكلام يجعل الواحد منا يخجل أن يعمل معصية مع الرحيم المتعالي؛ لكن ما ظنكم بواحد يسمع بالرحمة ويقول: سأظل عاصياً لكي يرحمني. كذَّاب. لا يرحمك وأنت عاص: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ [الأعراف:56] مِن مَن؟ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] يرحمك إذا تعرَّضتَ له، أما إذا عاندته وعصيته وشاققته وتوليت عنه وهربت وحاربته، كيف يرحمك؟! نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167].فلا بد -أيها الإخوة- أن نفهم هذه المفاهيم حتى لا يغلظ علينا جانب ونقول: أن الله غفور رحيم؛ ما دام الله يرحمنا إذاً نجلس كلنا في المعاصي، ويرحمنا الله. لا، بل نتعرض لهذه الرحمة حتى يرحمنا الله تبارك وتعالى.
الراحمون يرحمهم الرحمن
يقول عليه الصلاة والسلام، فيما أخرجه أبو داود : (الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).وأخرج البخاري عن جرير قال: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) إذا أردت أن تكون أهلاً لرحمة الله فربِّ نفسك على رحمة الناس .. ارحم عاملك الذي يعمل عندك، وخادمك الذي يخدم عندك، والموظف الذي يعمل عندك في الوظيفة، ارحم جارك، وزوجتك، وولدك، وابنتك، والحيوان، والبهيمة .. وارحم كل شيء، واجعل الرحمة مدراراً في قلبك على الناس؛ لكن الذي لا يرحم لا يرحمه الله، فالرجلُ الفَظُّ العُتُلُّ الجعظريُّ المتحجرُ الشديد .. قوي على زوجته وأولاده وجيرانه وأمه وأبيه، فهذا نزع الله الرحمة من قلبه، فلا يستحق أن يكون مرحوماً من قبل الله عزَّ وجلَّ. يروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الحسن بن علي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، والأقرع بن حابس عنده -رجل من كبار العرب- فقام صلى الله عليه وسلم وقبَّل الحسن فقال: يا رسول الله، أتقبلون صبيانكم؟! -يقول: تقبلون الأولاد؟!- إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلتُ منهم واحداً، فقال صلى الله عليه وسلم وقد نظر إليه: مَن لا يَرحم لا يُرحم، ما أفعل لك إن كان الله قد نزع منك الرحمة)قطع النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة لما دخل الحسن وجعل يتعثر في ثوبه .. فقطع الخطبة ونزل من المنبر وذهب فأخذه، ثم أكمل الخطبة وهو في يده.بعض الناس إذا جاء ليصلي ومر ولده من أمامه صَفَعَه كفَّاً، وبهذا لن يحب الولدُ الصلاة، ولن يصلي مدى الحياة، يقول: لماذا صفعتني؟! يا أخي دع الطفل يمر؛ هذا لأنه لا يقطع صلاتك، لكن هذا الأب يحافظ على الدِّين، يقول: يا ولد! فيصفعه؛ لأنه مرَّ من بين يديه.وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فركب على ظهره الحسن ، فأطال السجود صلى الله عليه وسلم، والصحابة لا يسبحون له، لماذا؟ لأنهم يخافون أن يكون فعله تشريع، وأحياناً ينسى لبشريته؛ لكن لا يسبحون حتى يعرفون، فأطال فلما انتهت الصلاة، قال: (لعلكم أدركتم طول سجودي، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إن ابني هذا ارتحلني -يقول: ركب عليَّ- فكرهتُ أن أنزله حتى نزل) هذا سيد البشر وأكرم خلق الله، راحلة للحسن، اللهم صل وسلِّم على عبدك ورسولك محمد.ويصور النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة في مشهد عجيب جداً يخرجه البخاري ومسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (بينما رجل يمشي اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها وشرب، ثم خرج، وإذا بكلب يطوف بالبئر، يأكل الثرى من العطش -قد مدَّ لسانه على الأرض، لا يقدر أن ينزل، ولا عنده دلو يُنَزِّله، وهو فوق، والماء في البئر- فرآه الرجل فأشفق عليه وقال: والله لقد بلغ العطش من هذا الكلب مثلما بلغ بي، ثم نزل البئر فملأ خفه -الخف: الحذاء، ليس عنده إناء ولا شيء إلا خفه- ثم أمسكه بفمه -وضع حذاءه بفمه، وهو مليء بالماء- ورقى حتى صعد البئر، وسقى الكلب، قال: فشكر الله له، وغفر له، وأدخله الجنة) رواه البخاري ومسلم .هذا كلب رحمه فأدخله الله الجنة، كيف إذا رحمتَ غيرَك؟! إذا رحمتَ مسلماً؟! إذا رحمتَ زوجتَك؟! ولا نتصور أن الرحمة أننا نسقي ونغذِّي، إذا رحمتَ زوجتك بأن حُلتَ بينها وبين العذاب؛ دعوتها إلى الله، أبعدتَ من بين يديها وسائل الفساد، ليس راحماً من يجلب لزوجته وسائل الفساد ويركِّب فوق بيته دُشَّاً، هذا رَحِم زوجتَه أم عذَّب زوجتَه؟! والله عذَّبها وعذَّب أولادَه، إن من يدخل في بيته هذا الداء يسبب كارثة لا يعلمها إلا الله؛ كأنه يعطي تأشيرة خروج للدين من بيته، وللفضيلة، وللرحمة، وللخير، فلا يبقى خيراً، كيف يأتي الخير -يا إخواني- وفوق رأسه أربعون قناة تصب بشرورها على رأسه؟! من أين يأتيه الخير؟! وبعضهم يبست عيونهم في الليل؛ إذا جاء ليرقد لن تُغْمِض عيناه، إذا انتهت قناة، انتقل إلى الثانية، فإذا انتهت انتقل إلى الثالثة، وإذا جاء ليرقد أبت عيناه أن تنطبقا، قد نشفت عيناه مما نظر في هذا الشر -والعياذ بالله- وصلاة الفجر هذه الله يحسن فيها الختام، وأحسن الله العزاء فيها، والله لا يصلُّونها ولا يعرفونها، ولا يقوم بعضهم إلا الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، ويذهب إلى الدوام، حتى إنه لا يصلي، وإن صلى فصلاة المنافق: (يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً).إذاً: رحمة لزوجتك: أبْعِدْ هذا الفساد، ارحمها من عذاب الله.وبعضهم يقول: أنا رحمت المرأة ورحمت الأطفال. ماذا هناك؟قال: الأولاد مساكين، جالسين هكذا، فرحمتهم وأتيت لهم بجهاز فقط، لكي يشاهدوا كراتين.يرحمهم! انظروا انقلبت الرحمة! هذا يعذِّب أولاده، والله ما رحمتَهم، بل عذَّبتهم، وأهلكتهم وأحرقتهم بالنار، هؤلاء أمانة في عنقك، الله سائلك يوم القيامة عنهم، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] ارحموهم من النار، أما كونهم يصيحون يريدون شيئاً، فهل أنت مَعْبراً هنا فقط! كل ما طلبوا تأتي به، حتى لو طلبوا النار تأتي لهم بالنار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله! لا يجوز أيها الإخوة.وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم أيضاً: (أن امرأة بغيَّاً زانية من بني إسرائيل رأت كلباً في يوم حار يطيـف ببئر، قد أدلع -أي: أخرج- لسانه، فنزعت موقها -أي: خفها- وسقته، فغفر الله لها بهذا العمل).وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث أخرجه أبو داود - قال: فرأينا قُمَّرَة -نوع من الطيور- معها فرخان، فأخذناهما -أخذوا الفروخ- والقُمَّرَة ليست موجودة، فجاءت القُمَّرَة ما وجدت الفروخ، فجاءت تعرِّش بجناحيها، وترخيها، وتُدْني، وتصعد، وتَنْزِل على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآها الرسول -وهذا من إعجازه، ومن دلائل نبوته أنه عرف ماذا تريد عن طريق الوحي- قال: من فجع هذه بولَدَيْها؟! فقال الصحابة: نحن يا رسول الله! فقال: ردوهما عليها) فأخذوا الفرخان وردوهما في وكرها.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال: (قَرَصَتْ نملةٌ نبياً من الأنبياء فأحرق الأمة كلها، فأوحى الله إليه: أن قَرَصَتْكَ نملةٌ، فأحرقتَ أمة، فهَلاَّ نملة؟) يعني: إذا كان لا بد من القصاص، وقرصتك نملة فابحث عن النملة هذه واحرقها؛ لكن تحرق الأمة كلها من أجل نملة؟!لكن العلماء يقولون: إذا كان النمل في مكان خاص في الصحراء، وأنت جئت إليها، وأخذت تتمشى، وقَرَصَتْك، فقمتَ لتحرقها؛ لأنك ذهبت لتتمشى وقَرَصَتْك .. هذا حرام، من الذي قال لك أن تأتي النمل؟! فأنت تستحق القرص؛ لكن لو جاء النمل إلى بيتك، ودخل في مطبخك، وأفسد عليك طعامك وآذاك، يجوز لك أن تقضي عليه؛ لكن بغير الإحراق؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا الله، يجوز لك أن تهلك وأن تقضي على هذه الحشرات والزواحف بالوسائل الحشرية المبيدة، كأن تضع مسحوقاً أو فليتاً أو أي شيء، بشرط أن يكون عليك منها ضرر؛ لأن الضرر والصائل مأمور بدفع صولته، وإبعاد ضرره، أما من غير سبب، تذهب وتضع السم وتطارد، مثل مَن يطارد القطط الآن، بعض الناس إذا رأى قطة في الشارع لَفَّ عليها بالسيارة ... معركة مع القطط.ماذا هناك؟ قال: قتلتها.لِمَ يا أخي تقاتل القطط؟! لكن إذا هي تعمدتك ودخلت عليك، وما دريتَ، فما عليك شيء؛ لكن أن تقتلها عمداً هكذا. (امرأة دخلت النار في هرة، حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها ولا أطلقتها تأكل من خشاش الأرض).وفي النهاية يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] ثم قال: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنعام:12] وهذا مشهد آخر من مشاهد رحمة الله وهو: أن الله سوف يجمعنا يوم القيامة.وكيف يكون هذا اليوم رحمة؟! قالوا: لأن العاصي يرى جزاءه، والمؤمن يرى ثوابه، فيطمئن قلب المؤمن، ويقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف:43] لكن لو أن الله يجمعنا يوم القيامة، ويدخل العاصي والكافر النار، ويدخل المؤمن الجنة، والمؤمنون قد حرموا أنفسهم من المعاصي والذنوب، وذاك قد تمتع بالذنوب والمعاصي، يصبح من الظلم ألا يدخل هذا النار، وألا يجد هذا جزاءه الجنة، فمن كمال رحمة الله عزَّ وجلَّ أن يدخل الناس الذين عملوا بطاعته في الجنة، ويدخل الكفار الذين عملوا بمخالفاته وخالفوا شرائعه وأنبياءه النار، قال الله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنعام:12] والإشارة إلى جمع الله الناس يوم القيامة جاءت مؤكدة بعدة مؤكدات: لَيَجْمَعَنَّكُمْ [الأنعام:12] لام التوكيد، ونون التوكيد المثقَّلة الشديدة، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنعام:12] بيانها، وبعد ذلك: لا رَيْبَ فِيهِ [الأنعام:12] توكيد ثالث، ثم قال بعد ذلك: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأنعام:12] في ذلك اليوم تظهر الموازين وتنكشف الحسابات، فيخسر الناس الذين ضيعوا أنفسهم في هذه الدنيا من طاعة الله، يخسرون أنفسهم بدخولهم النار، فهم لا يؤمنون في هذه الدنيا، ويحصل لهم بعدم الإيمان في هذه الدنيا خسارة الدارين في الدنيا والآخرة.ثم يقول تبارك وتعالى في لفتة أخرى: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:13].يقول المفسرون: الآية الأولى شملت ملك الله في المكان، قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [الأنعام:12] يعني: في المكان، والآية الثانية شملت ملك الله في الزمان: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الأنعام:13] جميع الذي يسكن في الليل والنهار لله، له ما في السماوات والأرض وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:13] السميع: الذي لا يغيب عن سمعه شيء، العليم: الذي لا يغيب عن علمه شيء، وهذه من صفاته تبارك وتعالى.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم أهلاً لرحمته، وأن يرحمنا، وأن يتجاوز عنا، وأن يحبب إلينا الطاعات، وأن يكره إلينا الذنوب والمعاصي والسيئات، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.كما نسأله تبارك وتعالى أن ينصر دينه، وأن يُعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رُشد يُعَزُّ فيه أهل طاعته، ويُذَلُّ فيه أهل معصيته، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.كما نسأله تبارك وتعالى أن يوفق جميع المسلمين وولاة المسلمين إلى تحكيم شريعة الله، وإلى الدعوة إلى الله، وإلى مناصرة هذا الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
 من مظاهر رحمة الله: إنزاله لرحمة يتراحم بها الخلق في الدنيا
أيها الإخوة: هذه الرحمة ضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة وقربها إلى القلوب حتى تُفهم، وهذا شأنه صلى الله عليه وسلم في حياته الدعوية أنه كان يقرب المفاهيم والمعاني إلى قلوب الناس بالأمثلة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].أخرج البخاري ومسلم حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جعل الله الرحمة مائة رحمة، أمسك عنده تسعاً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً من المائة، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) بسبب هذه الرحمة! وتصور جزءاً واحداً العالم كله يتراحم به الآن، فتجد الناس في قلوبهم رحمة؛ إذا مَرَّوا على طفل صغير يبكي يأخذونه، ولو لم يكن ولدهم، وإذا رأوه مريضاً واقعاً في الأرض يسعفونه، ولو أنهم لا يعرفونه، إذا رأوه جائعاً يرحمونه، كم؟ كل الناس يرحمون.حتى الكفار في قلوبهم رحمة؛ توجد عندهم جمعيات: الرفق بالحيوان، وجمعيات الإغاثة، وجمعيات المنكوبين، وجمعيات اللاجئين ... هذه الجمعيات سببها ماذا؟ وجود رحمة.والبهائم فيها رحمة؛ فالدجاجة وهي دجاجة صغيرة، ترحم فرخها وتحن عليه، وتمتنع من الطعام والشراب، وإذا قط يريد أن يأكله، ماذا تفعل الدجاجة؟ تستسلم وتهرب من القط، والقط عدوها يأكلها؟ لا، تتحول الدجاجة إلى مصارع وعدو، تأخذ جناحيها وتفعل بطرفيها هكذا، وتقفز إلى ظهره، وتنقره في عينه -لماذا تأتي على فراخي- ما الذي أعطاها هذا؟ الرحمة، رحمة الله تبارك وتعالى.والتبيع الصغير يخرج من بطن أمه ويقع في الأرض .. لا يوجد مستشفى يؤخذ إليه، ولا ولادة، ولا حفائظ .. ولا أي شيء، تقوم الأم البقرة بالمهمة فتخرج لسانها وتمسحه، إلى أن تنظفه وتجعله مثل الوَدَعَة، من علَّم البقرة أن تعمل هذا العمل؟ والحديث يقول: (وبها ترفع الدابة حافرها) ما أدرَى الدابة أن هذا يستحق الرحمة الآن، إذ لو رَصَعَتْه مات.القطة تضع أولادها الصغار ثم تأخذهم من مكان إلى مكان، تراها آخذة ابنها، تمسكه من رقبته من هنا، وتأتي به، وتضعه هناك، وترضعه، وتصيح إذا لم يتركها أحدٌ ترضعه .. من؟ إنه الرحيم الرحمن تبارك وتعالى.وهذا التمثيل يقرب للإدراك البشري تصور سعة هذه الرحمة.وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه ذلك، يقول عمر رضي الله عنه: قُدِمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فكانت فيه امرأة من السبي، تسعى وقد تحلَّب ثدياها، مرضع ضاع منها ولدها، ولمَّا سُبيت وجدت ثدييها تدرَّان باللبن، وإذا بعينيها تزوغ، تبحث عن ولدها في أي مكان، يقول: ثم نظرت، فإذا صبيها موجود، فأسرعت إليه، واحتملته، وألصقته بصدرها، ثم حنت عليه، وأرضعته، فقال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (أترون هذه مُلْقِيَةً بولدها في النار وهي تقدر؟ قالوا: لا، قال: والله إن الله أرحم بعباده من رحمة هذه بولدها) اللهم أدخلنا برحمتك يا أرحم الراحمين.يا إخواني: والله كل هذه الأحاديث وكل هذا الكلام يجعل الواحد منا يخجل أن يعمل معصية مع الرحيم المتعالي؛ لكن ما ظنكم بواحد يسمع بالرحمة ويقول: سأظل عاصياً لكي يرحمني. كذَّاب. لا يرحمك وأنت عاص: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ [الأعراف:56] مِن مَن؟ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] يرحمك إذا تعرَّضتَ له، أما إذا عاندته وعصيته وشاققته وتوليت عنه وهربت وحاربته، كيف يرحمك؟! نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167].فلا بد -أيها الإخوة- أن نفهم هذه المفاهيم حتى لا يغلظ علينا جانب ونقول: أن الله غفور رحيم؛ ما دام الله يرحمنا إذاً نجلس كلنا في المعاصي، ويرحمنا الله. لا، بل نتعرض لهذه الرحمة حتى يرحمنا الله تبارك وتعالى.
الأسئلة

 حكم بقاء الزوجة مع زوج لا يصلي ألبتة
آخر سؤال أيضاً من الأخوات، ونحن نعطي أهمية للأسئلة التي تأتي من الأخوات؛ لأن الإخوة الذين لا يجدون جواباً على أسئلتهم يمكنهم أن يسألوا مشافهة؛ لكن الأخت التي لا تجد جواباً كيف تعلم؟ ليس معها إلا الورقة، فنحن نعطيها أولوية، وليس معنى هذا: عدم الاهتمام بالأسئلة الأخرى، بل الأسئلة الأخرى ستكون محط عناية مكتب مركز الدعوة إن شاء الله؛ بحيث يُتاح لها الفرصة إن شاء الله في مناسبة قادمة.السؤال: هناك أم لستة أطفال، والدهم لا يصلي، فما حكم معاشرتها لهذا الزوج، وقد سألت هذه الأم شيخاً، ونهاها أن تعيش معه؛ ولكنها عطفت على أولادها، وحنَّت عليهم، واستمرت في حياتها مع زوجها، على الرغم من إجابة الشيخ لها، واستمرت في تربية أبنائها متوكلة على الله، فهل من ذنب عليها؟الجواب: نعم. عليها ذنب عظيم، إذ أنها استمرت في معاشرة رجل كافر، وقد أجمع أهل العلم على كفر تارك الصلاة، وما دام هذا الزوج لا يصلي، فإنه يحرم عليها، ولو عليها مائة ولد وليس ستة فقط، ولو وراءها قبيلة، فلا تحن ولا تشفق عليهم، وإنما تشفق على نفسها أولاً من أن تستمر في بيت الكافر، فهذا الرجل الذي لا يصلي تمسكه، وتقول له: أنت إنما استحللتني بكلمة الله؛ لأنك مسلم، والآن لا تصلي، فأنا أخيرك بين أن تصلي فأنا زوجتك، وأم أبنائك، ومعك على درب الإيمان إن شاء الله، أو لا تصلي فأنا لستُ منك، ولستَ مني، ولستُ أنا لك، ولستَ لي، سأذهبُ إلى بيت أهلي. إن كان لها بيت أهل تذهب إليه، وإن لم يكن لها بيت أهل وأولادها معها، ولا تريد أن تتركهم، فإنها تجلس في هذا البيت؛ لكن تحتجب عنه، لا تراه، ولا تمكنه من نفسها .. وإن غُلِبَت على أمرها ولم تستطع، تخرج من البيت، ولو أن تعيش على الرصيف، فلها والله أن تعيش وتنام على الأرض، ولا تنام ليلة في النار.أسأل الله أن يهدي هذا الرجل، وأن يوفق هذه المرأة، ويثبتها على الإيمان، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات قرآنية في سورة الأنعام [2] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net