اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الهداية [1، 2] للشيخ : سعيد بن مسفر


الطريق إلى الهداية [1، 2] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
من أجل نعم الله على هذا الإنسان: نعمة الإيمان والهداية.ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الحصول عليها وأن يسعى في سبيل تحقيقها.وبالهداية يجد المسلم السعادة في حياته الدنيا ويعيش طمأنينة عجيبة.أما طريقها فسهل لمن سهله الله له: وهو بإعلان التوبة مما مضى، وعقد النية على الحرص على الأعمال الصالحة في المستقبل، وإحسان العمل في الزمن الحاضر.
فضل مجالس العلم وأهله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة في الله: أولاً جزى الله القائمين على مدرسة تحفيظ القرآن الكريم في هذا المسجد خيراً، حينما هيأت هذا اللقاء، وأعادت للمسجد بعضاً من رسالته، فإن المسجد كان كل شيء في حياة المسلمين، وجزاكم الله خيراً حينما أجبتم الدعوة وجئتم لتشجعوا داعي الإيمان، ولتحضروا مجالس الذكر التي تحتاج إليها القلوب أكثر من حاجة الأرض إلى المطر، فإن غيث القلوب هو العلم، وغيث الأرض هو المطر، وأنتم ترون أن الأرض إذا حُبس عنها المطر أجدبت وأقحلت وتغير شكلها ولم تؤتي خيراً، وكذلك القلوب إذا حرمت من سماع العلم والذكر فإنها تجدب وتقصر وتقسو ولا يأتي منها خير.وترون الأرض إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكذلك قلوب أهل الإيمان إذا نزل عليها العلم -وأعني بالعلم هنا علم الكتاب والسنة: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم- وسمعت الذكر والعلم الإيماني اهتزت كما تهتز الأرض، تهتز وتضطرب، وتخاف وتوجل وتشفق، ثم بعد هذه الحركة القلبية تزداد إيماناً، عبر الله عز وجل في الأرض المادية فقال: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5] وقال في قلوب المؤمنين وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] فتنبت القلوب حينما تسمع العلم من كل زوج بهيج من العمل الصالح، والبعد عما حرم الله.وما دام الأمر كذلك فإن من الضروري أن يحرص المسلم على حضور مجالس الذكر ومتابعتها، وأن يجعلها في صلب برنامجه اليومي، ولا يجعلها على الهامش بحيث إن تيسرت حضر وإن لم تتيسر لم يحضر، وإنما يجعلها شيئاً رئيسياً وضرورياً في حياته؛ لأنها غذاء لقلبه، والله تبارك وتعالى يقول: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] ويقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد:28-29].هذه مقدمة لبيان فضل هذه المجالس التي نسأل الله عز وجل أن يجعلها في ميزان الحسنات، وأن يجعل الجلوس فيها وسماع العلم وقوله خالصاً لوجه الكريم.
 

نعمة الهداية والإيمان وعظيم قدرهما
إن نعمة الهداية والدين والالتزام، والسير على الصراط المستقيم، من أجلِّ نعم الله على العبد؛ لأنها نعمة ترافقك آثارها في هذه الحياة، وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وفي أرض المحشر حتى تدخل الجنة ببركة نعمة الإيمان.إن الكفر والمعصية والنفاق والضلال مصيبة، ونكبة على الإنسان في هذه الدنيا وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط وفي عرصات القيامة، ويوم يسحب على وجهه ويقذف على أم رأسه في النار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.والناس اليوم يتطاحنون، ويتناحرون، ويتسابقون في سبيل تحصيل المال، وكثرة العيال، وعلو المنصب والجاه، وهذه النعم: نعمة المال والأولاد والمنصب والجاه نِعمٌ لا تنفع في الآخرة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].. وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37] لا يقربك مالك، ولا ولدك، ولا جاهك عند الله خطوة واحدة، إلا بمؤهلات الإيمان والعمل الصالح وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37].
 لا سعادة تعدل سعادة الإيمان
هذه الحياة كلها؛ لذتها وطعمها في حياة الروح، وإذا حُرِم الإنسان من غذاء الروح -الغذاء الإيماني- عاش في عذاب وشقاء، ولذا ترون البشرية اليوم في الشرق والغرب، في أوروبا وأمريكا بلغوا من التطور والتقدم والاكتشافات العلمية ما لا يصدقه العقل، أراحوا الجانب الجسدي لأبعد درجة، لدرجة أنه في أمريكا يقال: في المناطق الباردة ينامون وعليهم بطانيات كهربائية يضبط العيار عنده فيجعله مثل الخيمة الصغيرة، ويربط (الفيش) بالكهرباء وبعد ذاك عنده عيار يضبط به درجة الحرارة، كم يريد من الحرارة. عشرين .. ثلاثين، وينام طوال الليل على هذا، بالرغم من هذا التكييف الذي يحصل له، وبالرغم من أن كل شيء في الدنيا مهيأ إلا أنهم في عذاب، حتى إن أعلى دول العالم نسبة في الانتحار هي أعلى دولة نسبة في التقدم والرقي وهي الدول الإسكندنافية: الدنمارك والسويد والنرويج أعلى نسبة الانتحار فيها؛ لأنهم ما وجدوا السعادة ولا الراحة في كل ما حققوه لأنفسهم من الماديات، فلما لم يجدوا راحة بل وجدوا أنهم في ضيق تخلصوا من الحياة بالانتحار.يفكر أحدهم ويقول: أنا لماذا أعيش؟ فيقول: أنا أعيش من أجل أن أموت، فما دام أني أعيش من أجل أن أموت فأموت من الآن، لماذا أجلس سنة أو سنتين أو عشر وأنا آكل وأشرب وأصبح وأمسي حتى أموت، فيقفز قفزة إلى الموت ليتخلص من هذه الحياة، لكن الذي يقدم لك الراحة والطمأنينة، وينزع من قلبك القلق والاضطراب والحيرة، ويوجد في قلبك الاستقرار والأمان هو الإيمان، هو دين الله عز وجل، هي الهداية.ولا تسعد في هذه الدنيا إلا بالهداية؛ لأن من الناس من يتصور أن آثار الدين فقط في الآخرة، ولهذا يقول: الدين سيحرمني من لذات الدنيا، فأنا أتمتع فيها والآخرة بعد ذلك، وهذا خطأ، الدين آثاره معك في الدنيا قبل الآخرة، والكفر معك آثاره في الدنيا قبل الآخرة، الكفر يزرع في قلب الإنسان الخوف والقلق، والحيرة والضلال، والتيه وعدم الرضا، مهما شبع ومهما ولغ من الشهوات؛ لكنه لا يجد الراحة والطمأنينة .. إن كانت أموال فهي عليه وبال، يقول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] إن كن زوجات وأولاد يقول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ليس بديلاً للإيمان شيءٌ في هذه الحياة، فلا يوجد في الدنيا بديل للإيمان لإسعاد الإنسان في هذه الحياة.
حال المؤمن والكافر في الحياة الأخروية
عند الموت هناك الساعات الحرجة، وهناك يقال: ستعلمي حين ينجلي الغبار أفرس تحتك أم حمار هناك تنكشف الأغطية يقول الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].عند لحظات الموت للإنسان المؤمن فإنه يتعرف على ثمرة الإيمان، ويحمد الله الذي هداه إلى الإيمان، وثبته بالإيمان بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وفي القبر يجيب، وجنانه ثابت، ولسانه طلق ويقول: ربي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ويوم القيامة يُبعث أبيض الوجه يقرأ كتابه بيمينه، ويقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ويمر على الصراط كالبرق الخاطف، ويوزن عمله فيرجح ميزانه، ثم يرد الحوض على النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً، هذا الحوض كيزانه وأوانيه عددها كعدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً.ثم بعد ذلك يدخل الجنة ويقال له: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:70-71] في نعيم أبدي سرمدي، هذه كلها هي ثمرة الإيمان والعمل الصالح. أما الكفر مع المال، أو الملك، أو الجاه، والأولاد فهذه لا تنفع شيئاً، بل تكون على صاحبها وبالاً في الدنيا والقبر، وعند الموت لا ينفعك المال ولا الأولاد ولا الجاه، وفي القبر لا تدخل القبر بمالك أو بكرسيك أو وظيفتك أو ملابسك أو ببدلة رسمية أو بنجوم أو بأولاد أو بأحد معك: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] ثم بعد ذلك يوم القيامة تأتي في السؤال فلا تعرف، من ربك ما دينك من نبيك؟ لأنك ما ثبت على الدين هنا فلا تثبت على الجواب هناك وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].ويوم القيامة يقوم الإنسان فزعاً مذعوراً خائفاً؛ لأنه قد أمن الله في الدنيا فيخوفه الله يوم القيامة، فلا يجمع الله على عبده أمنين، ولا خوفين، من خاف الله في الدنيا أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] أما من أمن هنا فهناك الخوف الذي يقطِّع قلوبهم والعياذ بالله: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:44] ذلة وخوف ومهانة يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:43-44].ويأتون إلى الصراط كي يعبروا عليه فلا يمكنون من العبور؛ وأنهم لا يجدون وسائل نقل من العمل الصالح، وهذا ليس عنده شيء ولو كان هنا عنده ملايين، ولو عنده سيارة مرسيدس آخر موديل، وعمارة، ووظيفة، لكنه تركها وراءه وما أخذها معه إلى الآخرة، فيأتي على الصراط يريد مرسيدس، ولكن لا يمشي هناك إلا العمل وليس معه عمل، فماذا يحصل؟ من أول خطوة يضعها على الصراط يسقط، فيهوي في النار -والعياذ بالله- وبعد ذلك يريد أن يأخذ كتابه بيمينه ويريد أن يأخذ الجنة حتى بالكذب، ويرى أهل الإيمان يأخذون كتبهم بأيمانهم فيمد يمينه فتضربه الملائكة بمطرقة من حديد على كتفه فتخر يمينه فليس له يمين، فلا يستطيع أن يأخذ إلا بالشمال، فإذا أخذ كتابه بشماله قال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27] يقول: ليتني مت وما بعثت، ثم يتذكر ما الذي أضله وألهاه في الدنيا فيقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] كان يلهث وراء المال كالكلب لا يشبع من كثير ولا يقنع بقليل، مثل جهنم: هل من مزيد.وطالب الدنيا مثل شارب البحر، كلما ازداد شربه ازداد عطشه، يملأ بطنه فيزداد ويلتهب جوفه، وهكذا طالب الدنيا مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] أي: ذهب عني السلطان، وذهبت عني الوظيفة، وذهبت عني المنزلة والمنصب والجاه، ويسترحم ولكن لا يرحم يقول الله: خُذُوهُ هذا الكذاب هذا الفاجر خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] والغل هو وضع القيد في الرقبة مع اليدين والقدمين، توضع يديه مع قدميه في رقبته في غل واحد ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:31-32] اسلكوه: تدخل السلسلة من فمه وتخرج من دبره، ينظم فيها كما تنظم الخرزة في المسبحة، لماذا؟ قال: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37] أعاذنا الله وإياكم من ذلك، ويأتي يريد أن يزن أعماله وليس معه شيء، ما عمل إلا السوء -والعياذ بالله- فيرجح ميزانه بالسيئات. وبعد ذلك يرد الحوض فتطرده الملائكة من بعيد، ما له طريق إلى الحوض، ثم يكردس في النار، أعاذنا الله وإياكم من النار كما قال الله عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:71-72].هذه آثار نعمة الإيمان، فهل هناك أعظم من هذه النعمة؟ لا والله، والله إن الأحرى والأجدر بالعاقل ألا يشتغل عن الآخرة وأن يجعل همه في كيف يحصِّل نعمة الإيمان، ثم كيف يثبت عليها.
 لا سعادة تعدل سعادة الإيمان
هذه الحياة كلها؛ لذتها وطعمها في حياة الروح، وإذا حُرِم الإنسان من غذاء الروح -الغذاء الإيماني- عاش في عذاب وشقاء، ولذا ترون البشرية اليوم في الشرق والغرب، في أوروبا وأمريكا بلغوا من التطور والتقدم والاكتشافات العلمية ما لا يصدقه العقل، أراحوا الجانب الجسدي لأبعد درجة، لدرجة أنه في أمريكا يقال: في المناطق الباردة ينامون وعليهم بطانيات كهربائية يضبط العيار عنده فيجعله مثل الخيمة الصغيرة، ويربط (الفيش) بالكهرباء وبعد ذاك عنده عيار يضبط به درجة الحرارة، كم يريد من الحرارة. عشرين .. ثلاثين، وينام طوال الليل على هذا، بالرغم من هذا التكييف الذي يحصل له، وبالرغم من أن كل شيء في الدنيا مهيأ إلا أنهم في عذاب، حتى إن أعلى دول العالم نسبة في الانتحار هي أعلى دولة نسبة في التقدم والرقي وهي الدول الإسكندنافية: الدنمارك والسويد والنرويج أعلى نسبة الانتحار فيها؛ لأنهم ما وجدوا السعادة ولا الراحة في كل ما حققوه لأنفسهم من الماديات، فلما لم يجدوا راحة بل وجدوا أنهم في ضيق تخلصوا من الحياة بالانتحار.يفكر أحدهم ويقول: أنا لماذا أعيش؟ فيقول: أنا أعيش من أجل أن أموت، فما دام أني أعيش من أجل أن أموت فأموت من الآن، لماذا أجلس سنة أو سنتين أو عشر وأنا آكل وأشرب وأصبح وأمسي حتى أموت، فيقفز قفزة إلى الموت ليتخلص من هذه الحياة، لكن الذي يقدم لك الراحة والطمأنينة، وينزع من قلبك القلق والاضطراب والحيرة، ويوجد في قلبك الاستقرار والأمان هو الإيمان، هو دين الله عز وجل، هي الهداية.ولا تسعد في هذه الدنيا إلا بالهداية؛ لأن من الناس من يتصور أن آثار الدين فقط في الآخرة، ولهذا يقول: الدين سيحرمني من لذات الدنيا، فأنا أتمتع فيها والآخرة بعد ذلك، وهذا خطأ، الدين آثاره معك في الدنيا قبل الآخرة، والكفر معك آثاره في الدنيا قبل الآخرة، الكفر يزرع في قلب الإنسان الخوف والقلق، والحيرة والضلال، والتيه وعدم الرضا، مهما شبع ومهما ولغ من الشهوات؛ لكنه لا يجد الراحة والطمأنينة .. إن كانت أموال فهي عليه وبال، يقول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] إن كن زوجات وأولاد يقول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ليس بديلاً للإيمان شيءٌ في هذه الحياة، فلا يوجد في الدنيا بديل للإيمان لإسعاد الإنسان في هذه الحياة.
كيفية تحصيل نعمة الإيمان
أما كيفية تحصيل هذه النعمة؛ فسبيلها سهل، وطريقها يسير، كما يقول ابن القيم : هلمَّ لتدخل على الله من أقرب الطرق وأوسع الأبواب؛ لأن من الناس من يريد الهداية ولكن الشيطان يضخمها عليه، ويقول له: أنت لا تستطيع أن تهتدي، والدين ثقيل وكبير جداً، ولا مانع من أن تتدين لكن لا تأخذ الدين بعروقه -كما يقولون- وإنما خذ ورقة من رأس الدين، وعندها هل سيكون معك دين؟إذا أردت أن تزرع شجرة في بستانك فماذا يتطلب الأمر منك؟أن تأخذ (الشتلة) بعروقها، لكن لو جئت تأخذ من رأس الشجرة ورقة وتغرسها في البستان، فهل تغرس لك شجرة؟ لا. لابد أن يؤخذ الدين بكليته، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] لا يوجد دخول جزئي أو نصفي، أو فيما أريد وأترك ما لا أريد فلا آخذ من الدين، إلا الذي يوافقني، لا. لابد أن تأخذ الدين جملة واحدة؛ لأن التشليح في الدين لا يصلح، هل تأخذ سيارة ناقصة، لو جئت تشتري سيارة، وجئت تنظر إلى الإطارات وإذا بالإطار فيه ثلاثة مسامير والرابع ليس موجوداً فيعتبر هذا عيباً فيها، فلن تشتريها، وإذا اشتريتها تذهب بها على أن تكمل النقص، لا تريد أن تمشي في سيارتك وهي تنقص مسماراً واحداً، لكن من الناس من يريد ديناً؛ لكن ليس معه من الدين إلا ما يعادل مسماراً واحداً، بعض الناس ما معه من الدين إلا (البوري)، يعني: معه إسلام لكن ليس فيه شيء، لو نظرنا إلى شخص ركّب له في رأسه (بوري) ووضع له (حجاراً) ويمشي في الشارع ويضرب (بوري) نقول: ما هذا؟ يقول: سيارة أما تنظرون إليها؟ نقول: والله هذا مهبول وليس معه عقل، ومن الناس من ليس معه من الدين إلا المساحات، أو العيون.
 كيفية إصلاح الأزمنة الثلاثة بالعمل الصالح
أنت يا إنسان! بين ثلاثة أوقات -أنا وأنت وكل كائن على وجه الأرض بين ثلاثة أزمنة- زمن مضى، وزمن مستقبل، وزمن حاضر، هل هناك غير هذه الأوقات الثلاثة؟قال: أما الماضي كله فتصلحه بالاستغفار والتوبة، وهذا عمل قلبيٌ ولا تعب فيه، فلو أن الله كلفنا بأن أي ذنب عملته لابد أن تكفر عنه، وأي صلاة تركتها لابد أن تقضيها، وأي صوم ما صمته لابد أن تصومه، وكل كلمة قلتها تجازى عليها، لكن من رحمة الله تبارك وتعالى أنك إذا عملت أي عمل، أو أسأت أي سيئة، أو قصرت أي تقصير في الماضي ثم تبت فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68]قتل وإراقة دم وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] زنا وفاحشة وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70] الماضي تستغفر الله فيه، وتتوب إلى الله من الذنوب والله يغفرها ويقلبها حسنات، هذا فضل أم ليس بفضل؟ أتعبٌ أن تقول: أستغفر الله؟ أم مشقة أن تقول: أتوب إلى الله مما عملت؟لا والله ليس فيه تعب ولا مشقة، هذا الماضي كله.والمستقبل: قال: والمستقبل تصلحه بالنية الحسنة؛ بأن تعزم على ألا تعصي الله، وهل في هذا تعب أن تعزم وتنوي بأنك لن تعمل سيئة؟ ليس فيه تعب، عمل قلبي ليس فيه مشقة عليك، ماذا بقي؟ ما دام ذهب الماضي، وذهب المستقبل ما بقي إلا الحاضر، ما هو الحاضر؟لحظتك هذه التي أنت فيها يقول: ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها الساعة التي أنت فيها الآن اجتهد فيها ألا تعصي الله، وأن لا تضيع أمر الله فقط، هل في هذا تعب؟ لا والله ليس فيه تعب، يقول معاذ بن جبل -والحديث في سنن الترمذي وسنن أبي داود وهو حديث صحيح- قال: (أصبحت في سفر وناقتي بجوار ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله! أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]ثم قال: يا معاذ ! ألا أدلك على مِلاك ذلك كله -ألا أدلك على السور الذي يجمع لك أركان الإسلام، وعموده وذروة سنامه ورأسه، ويجمع لك أبواب الخير كلها- قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسان نفسه، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم). إن طريق الهداية سهلة جداً، ويسيرة على من يسرها الله عليه، وهي أنك تعلن التوبة والاستغفار من ذنوبك وخطاياك التي قد اقترفتها في الماضي مهما كثرت؛ لأنها ليست كثيرة على الله، يقول سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ [الزمر:53]، يقول الواحدي رحمه الله كما في تفسير ابن كثير: إن هذه أرجى آية في كتاب الله، أولاً: قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (قل: يا عبادي)، و(عبادي) هنا عبارة فيها تلطف وتشويق أنه: يا مذنبين ما زلتم عبادي، يا مسرفين في الذنوب ما زلتم عبادي.(قل: يا عبادي) يدعوهم الله، وبعد ذلك يصفهم أنهم الذين أسرفوا أي: أكثروا من الذنوب والخطايا والمعاصي: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] (إن) هنا حرف توكيد ونصب، فأكد ربنا تبارك وتعالى مغفرة الذنوب بهذا المؤكد، ثم أكد بتوكيد لفظي أخير قال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] أي: مهما كثرت، ثم قال تذييلاً مناسباً: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] أي: فلا تستغربوا يا أهل الذنوب، ويا أهل الآثام، ويا أهل الإسراف؛ لا تستغربوا أن الله يغفر الذنوب؛ لأنه هو الغفور الرحيم، فمهما كثرت الخطايا والذنوب والمعاصي من زنا أو من خمور أو لواط أو شرك أو عقوق أو فجور أو أي شيء من الذنوب فإن الله يغفرها كلها: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].. نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50].فعليك أن تتوب إلى الله تبارك وتعالى مما كان في الماضي، ولا يوجد في الدنيا من يقول: أنا لا أستطيع أن أستغفر، أو لا أستطيع أن أقول: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه؛ إلا رجل محروم شقي ليس فيه خير، هذا الذي لا يستغفر ولا يتوب إلى الله، هذا لا يريد الله، ولا يحب الله، ولا الجنة، نقول له: الماضي كله بذنوبه يذهب، بل يبدل الله سيئاتهم حسنات، إذا كان عليك مليون سيئة يجعلها الله مليون حسنة، أي فضل هذا -أيها الإخوة- وأي كرم؟لو أن عندك شخص أسأت إليه، كأن سرقت عليه ألف ريال -مثلاً- وبعد ذلك اعترفت في يوم من الأيام وأتيت عنده وقلت: يا أخي أنا كنت في يوم من الأيام في دكانك وسرقت عليك ألف ريال، والآن أشعر بصحوة في ضميري وأخاف من لقاء ربي، ولذا أنا أعترف لك بأن عندي ألف ريال، فأنا جئت بهذه الألف لك، وأنا أريدك أن تعفو عني، إذا كان كريماً جداً فسيقول لك: سامحك الله، وفلوسنا رجعت والحمد لله، وإذا كان كريماً وأعز قليلاً فسيقول لك: جزاك الله خير وسامحك الله، والله أنا لا أعلم عن هذه الألف، لكن ما دام أن فيك خيراً وجئت من أجل صحوة الضمير فالألف لك سامحك الله، لكن هل هناك شخص في الدنيا يعطيك الألف ويقول: هذه ألف أخرى من عندي جائزة؟! لكن أكرم الأكرمين تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً ويبدلها كلها حسنات، فليس هناك شخص يأتي ويقول: لا أستطيع أن أستغفر، بل تستطيع أن تستغفر إذا كنت تريد الهداية.والمستقبل: لا يوجد شخص يستطيع أن يقول: لا أستطيع أن أنوي الخير، لماذا؟ قل: إن شاء الله ما أسرق، ولا أزني، ولا أترك فريضة، ولا أعق والدي، أسأل الله أن يعينني، وبهذا تكون قد أصلحت الماضي والمستقبل.بقي معك الحاضر فاجتهد فيه، إذا خرجت من المسجد ورأيت امرأة فغض بصرك؛ لأن الله يراك، إذا دخلت البيت وسمعت أغنية فأغلقها؛ لأن الله يسمعك في هذه اللحظة ويراك، أو عُرض عليك حرام فلا تأكله؛ لأن الله عز وجل يعلم حالك، فإذا أذن المؤذن فقم إلى المسجد ولا تنم؛ لأن الله يراك، فإذا ظللت على ذلك يوماً ثم يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة.. فستشعر في أول الطريق بنوع من الوحشة والضيق؛ لأنك تتعود على أمر لم تتعوده، لكن دائماً كل الطريق تسير في أولها يكون ففيها صعوبة أليس كذلك؟الطفل الصغير إذا بدأ يمشي كيف يمشي؟ أيجري مباشرة أم كيف يفعل به أهله؟ يوقفونه أول شيء، وينظرون أنه أتى بشيء من الدنيا، وبعد ذلك يأتي أبوه يقول: تعال فيأتيه يخطو الأولى، لكن لا يستطيع أن يأخذ رجله، فيمد له أبوه أصبعه يمسكها وينقل الخطوة الثانية بعد مشقة، هذا أول يوم، وثاني يوم ينقل الثانية، وبعد أسبوع يمشي، وبعد شهر يمكن يخرب البيت كله، وتقول أمه: اربطوه برجله، وهي من قبل كانت تقول: يا رب تمشيه يا رب تسيره، لكن إذا مشى أشاهد بعض الأمهات تربطه بحبل تقول: مؤذٍ.
كيف تتعامل مع الشهوات بعد التوبة
يا من تريد أن تسير في طريق الإيمان أول ما تدخل في قضية الإيمان تشعر بأنك تريد أن تسقط، كلما تسمع أغنيه تريد توقف عندها، كلما تشاهد امرأة تريد أن تلتفت؛ لكن لا تلتفت، ولا تسمع، ولا تنم عن الفريضة، لا تعق والدك، لا تعص أمك، لا تحب إخوان السوء، لا تحتقر إخوان الخير، لا تمل من مجالس الخير، اقرأ القرآن، أحب في الله وأبغض في الله، أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة، وكلما ثبتَّ قويت، وكلما سرت في الطريق قويت حتى تسير في الطريق ولا أحد يسبقك، وبعد ذلك لا تشعر في الدنيا بلذة إلا بطريق الإيمان. من الناس من لو تأخر عن الصلاة لشعر بأن قلبه فارغ، لا يستطيع العيش بدون صلاة، تجده طول الليل نائماً متعباً ولكن ما إن تأتي صلاة الفجر -وليس عنده ساعة ولا يسمع المؤذن- وقبل الأذان بساعة وإذا به جالس، من الذي أجلسه؟ الله تبارك وتعالى، كما يقول ابن القيم قي كتابه الجواب الكافي، يقول: إن الطاعات تولد أمثالها، وإن المعاصي تولد أمثالها، فالطاعة تولد طاعة حتى تصبح الطاعات هيئات راسخة، وملكات ثابته يمارسها الإنسان بدون عناء، تصبح الصلاة في حق المؤمن غذاء لا يستطيع أن يعيش بدونها.بعض الشباب الذين هداهم الله إلى الإيمان إذا سمع نغمة موسيقية يضطرب وكأنها صعقة كهربائية، رغم أنه شاب، وبعض الشباب الآخرين الذين يحبون الأغاني إذا سمعها قام يرقص، وذاك كأنه مسه جني وشرد منها، لماذا ذاك يخاف من الأغنية وهذا يحبها؟ هذا يخاف من الله، وجاهد نفسه حتى كرهها الله إليه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8] فإذا كره الله إليك الكفر والفسق والعصيان، إذا رأيت امرأة كأنك ترى جنياً أو شيطاناً فتغض بصرك، ليس لأنك ملك من الملائكة، أو لأنه لا توجد عندك شهوة الجنس، بل ربما لديك شهوة هي أضعاف شهوة ذاك، لكن الله عز وجل كره إليك الكفر، وكره إليك الفسوق والعصيان، وحبب إليك الإيمان وزينه في قلبك فأنت راشد فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:8].. أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7].أما الآخر الذي ما كرّه الله إليه الكفر والفسوق العصيان، إذا شاهد امرأة ولو أنها ليست بجميلة نظر إليها ولم يغض بصره؛ لأنه قد زين الشيطان في قلبه المعاصي، وكره إليه الطاعات، أي: أن الشيطان يتولى الإنسان فيزين له الكفر ويحبب إليه المعاصي والإيمان ويكرّه إليه الطاعات، فكن عبداً لله عز وجل وسر في الطريق وأبشر؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) ويقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17]. وطبعاً إذا أردت الهداية فلا بد أن تسلك سبيلها.ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس إن في الكون أسباباً وسنناً، ومن سنن الله في الكون: أن الله عز وجل يرزق الهداية لمن أرادها (فاستهدوني أهدكم).اطلب من الله عز وجل هداية يهديك، لكن إذا أعرض العبد عن الله قال الله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].. انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127] الهارب من الله لا يرده الله، والمقبل على الله لا يرده الله، بل إذا تقربت إليه شبراً تقرب إليك ذراعاً، وإذا تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة، وكان الله إليك بكل خير أسرع.
 كيفية إصلاح الأزمنة الثلاثة بالعمل الصالح
أنت يا إنسان! بين ثلاثة أوقات -أنا وأنت وكل كائن على وجه الأرض بين ثلاثة أزمنة- زمن مضى، وزمن مستقبل، وزمن حاضر، هل هناك غير هذه الأوقات الثلاثة؟قال: أما الماضي كله فتصلحه بالاستغفار والتوبة، وهذا عمل قلبيٌ ولا تعب فيه، فلو أن الله كلفنا بأن أي ذنب عملته لابد أن تكفر عنه، وأي صلاة تركتها لابد أن تقضيها، وأي صوم ما صمته لابد أن تصومه، وكل كلمة قلتها تجازى عليها، لكن من رحمة الله تبارك وتعالى أنك إذا عملت أي عمل، أو أسأت أي سيئة، أو قصرت أي تقصير في الماضي ثم تبت فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68]قتل وإراقة دم وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] زنا وفاحشة وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70] الماضي تستغفر الله فيه، وتتوب إلى الله من الذنوب والله يغفرها ويقلبها حسنات، هذا فضل أم ليس بفضل؟ أتعبٌ أن تقول: أستغفر الله؟ أم مشقة أن تقول: أتوب إلى الله مما عملت؟لا والله ليس فيه تعب ولا مشقة، هذا الماضي كله.والمستقبل: قال: والمستقبل تصلحه بالنية الحسنة؛ بأن تعزم على ألا تعصي الله، وهل في هذا تعب أن تعزم وتنوي بأنك لن تعمل سيئة؟ ليس فيه تعب، عمل قلبي ليس فيه مشقة عليك، ماذا بقي؟ ما دام ذهب الماضي، وذهب المستقبل ما بقي إلا الحاضر، ما هو الحاضر؟لحظتك هذه التي أنت فيها يقول: ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها الساعة التي أنت فيها الآن اجتهد فيها ألا تعصي الله، وأن لا تضيع أمر الله فقط، هل في هذا تعب؟ لا والله ليس فيه تعب، يقول معاذ بن جبل -والحديث في سنن الترمذي وسنن أبي داود وهو حديث صحيح- قال: (أصبحت في سفر وناقتي بجوار ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله! أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]ثم قال: يا معاذ ! ألا أدلك على مِلاك ذلك كله -ألا أدلك على السور الذي يجمع لك أركان الإسلام، وعموده وذروة سنامه ورأسه، ويجمع لك أبواب الخير كلها- قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسان نفسه، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم). إن طريق الهداية سهلة جداً، ويسيرة على من يسرها الله عليه، وهي أنك تعلن التوبة والاستغفار من ذنوبك وخطاياك التي قد اقترفتها في الماضي مهما كثرت؛ لأنها ليست كثيرة على الله، يقول سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ [الزمر:53]، يقول الواحدي رحمه الله كما في تفسير ابن كثير: إن هذه أرجى آية في كتاب الله، أولاً: قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (قل: يا عبادي)، و(عبادي) هنا عبارة فيها تلطف وتشويق أنه: يا مذنبين ما زلتم عبادي، يا مسرفين في الذنوب ما زلتم عبادي.(قل: يا عبادي) يدعوهم الله، وبعد ذلك يصفهم أنهم الذين أسرفوا أي: أكثروا من الذنوب والخطايا والمعاصي: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] (إن) هنا حرف توكيد ونصب، فأكد ربنا تبارك وتعالى مغفرة الذنوب بهذا المؤكد، ثم أكد بتوكيد لفظي أخير قال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] أي: مهما كثرت، ثم قال تذييلاً مناسباً: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] أي: فلا تستغربوا يا أهل الذنوب، ويا أهل الآثام، ويا أهل الإسراف؛ لا تستغربوا أن الله يغفر الذنوب؛ لأنه هو الغفور الرحيم، فمهما كثرت الخطايا والذنوب والمعاصي من زنا أو من خمور أو لواط أو شرك أو عقوق أو فجور أو أي شيء من الذنوب فإن الله يغفرها كلها: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].. نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50].فعليك أن تتوب إلى الله تبارك وتعالى مما كان في الماضي، ولا يوجد في الدنيا من يقول: أنا لا أستطيع أن أستغفر، أو لا أستطيع أن أقول: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه؛ إلا رجل محروم شقي ليس فيه خير، هذا الذي لا يستغفر ولا يتوب إلى الله، هذا لا يريد الله، ولا يحب الله، ولا الجنة، نقول له: الماضي كله بذنوبه يذهب، بل يبدل الله سيئاتهم حسنات، إذا كان عليك مليون سيئة يجعلها الله مليون حسنة، أي فضل هذا -أيها الإخوة- وأي كرم؟لو أن عندك شخص أسأت إليه، كأن سرقت عليه ألف ريال -مثلاً- وبعد ذلك اعترفت في يوم من الأيام وأتيت عنده وقلت: يا أخي أنا كنت في يوم من الأيام في دكانك وسرقت عليك ألف ريال، والآن أشعر بصحوة في ضميري وأخاف من لقاء ربي، ولذا أنا أعترف لك بأن عندي ألف ريال، فأنا جئت بهذه الألف لك، وأنا أريدك أن تعفو عني، إذا كان كريماً جداً فسيقول لك: سامحك الله، وفلوسنا رجعت والحمد لله، وإذا كان كريماً وأعز قليلاً فسيقول لك: جزاك الله خير وسامحك الله، والله أنا لا أعلم عن هذه الألف، لكن ما دام أن فيك خيراً وجئت من أجل صحوة الضمير فالألف لك سامحك الله، لكن هل هناك شخص في الدنيا يعطيك الألف ويقول: هذه ألف أخرى من عندي جائزة؟! لكن أكرم الأكرمين تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً ويبدلها كلها حسنات، فليس هناك شخص يأتي ويقول: لا أستطيع أن أستغفر، بل تستطيع أن تستغفر إذا كنت تريد الهداية.والمستقبل: لا يوجد شخص يستطيع أن يقول: لا أستطيع أن أنوي الخير، لماذا؟ قل: إن شاء الله ما أسرق، ولا أزني، ولا أترك فريضة، ولا أعق والدي، أسأل الله أن يعينني، وبهذا تكون قد أصلحت الماضي والمستقبل.بقي معك الحاضر فاجتهد فيه، إذا خرجت من المسجد ورأيت امرأة فغض بصرك؛ لأن الله يراك، إذا دخلت البيت وسمعت أغنية فأغلقها؛ لأن الله يسمعك في هذه اللحظة ويراك، أو عُرض عليك حرام فلا تأكله؛ لأن الله عز وجل يعلم حالك، فإذا أذن المؤذن فقم إلى المسجد ولا تنم؛ لأن الله يراك، فإذا ظللت على ذلك يوماً ثم يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة.. فستشعر في أول الطريق بنوع من الوحشة والضيق؛ لأنك تتعود على أمر لم تتعوده، لكن دائماً كل الطريق تسير في أولها يكون ففيها صعوبة أليس كذلك؟الطفل الصغير إذا بدأ يمشي كيف يمشي؟ أيجري مباشرة أم كيف يفعل به أهله؟ يوقفونه أول شيء، وينظرون أنه أتى بشيء من الدنيا، وبعد ذلك يأتي أبوه يقول: تعال فيأتيه يخطو الأولى، لكن لا يستطيع أن يأخذ رجله، فيمد له أبوه أصبعه يمسكها وينقل الخطوة الثانية بعد مشقة، هذا أول يوم، وثاني يوم ينقل الثانية، وبعد أسبوع يمشي، وبعد شهر يمكن يخرب البيت كله، وتقول أمه: اربطوه برجله، وهي من قبل كانت تقول: يا رب تمشيه يا رب تسيره، لكن إذا مشى أشاهد بعض الأمهات تربطه بحبل تقول: مؤذٍ.
كيفية الحصول على الهداية
عرفنا الآن طريق الهداية فكيف نهتدي؟
 السعي وراء الهداية وطلبها
بعضنا يريد الهداية وهو لا يسلك مسالكها، يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، ولكنه لا يقوم إلى الصلاة، يقول: اللهم اهدني يا رب العالمين وأنا قاعد على الأغاني، أريد أم كلثوم، أنبسط مع طلال مداح ومحمد عبده الشيطاني، اللهم اهدني يا رب العالمين، أنت لا تريد الهداية، ولو كنت تريدها لأغلقت الأغاني، الله أعطاك يداً مثلما تعرف تحركها على الأغاني حركها على القرآن، وأعطاك قدماً مثلما تحملك إلى القهوة تحملك إلى المسجد، وأعطاك عيوناً مثلما تنظر بها إلى المجلات العارية والمسلسلات انظر بها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا تشغل نفسك بالشيطان وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ لماذا لا تشغل نفسك بطاعة الله وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ تكون هناك صادقاً مثل الذي يزرع الزرع ويقول: اللهم أنبت لنا الزرع؛ ما رأيكم في شخص جاء على مزرعته ورشها بترولاً وقال: اللهم أنبت لنا الزرع، ما رأيكم أينبت له الزرع وهو يسقيها البترول؟ لا. فكيف الله يهديك وأنت تسقي قلبك بنزيناً يحرق إيمانك وهو الغناء، لا يجتمع حب الغناء وحب القرآن في قلب عبد مؤمن، والله إنه أخطر على الإنسان من كل خطير، ومن أراد المزيد في حكم الغناء فليقرأ كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، كيف أن الغناء محرم من أربعة وعشرين وجهاً شرعياً، والناس اليوم مفتونين بالأغاني، ما تمر سيارة إلا وفيها أغاني، وما تشتري من عند خباز إلا والأغاني فوق رأسك، حتى رأيتهم وهم يصلحون سقف البيت والمسجل معلق عند رءوسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كأننا أمة الغناء ولم نكن يوماً ما أمة القرآن.فهذه طريق الهداية، هل فيها صعوبة يا إخوان؟ والله ليس فيه صعوبة، إلا واحد يقول: لا أريد، الذي لا يريد فعلى ما يريد، ولن نحزن عليه، الله يقول: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] ويقول: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] ويقول: فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا [لقمان:23].. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم:44].. وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً [فاطر:39] فلا تخف على شخص رفض أن تهديه وأنت تحب له الخير ولا تحزن عليه، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقطع قلبه أسفاً وندماً وحزناً على أمته، قال الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6] أي: مهلك نفسك عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6] لا. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:127-128].
وقفة مع من يريد الشفاعة يوم القيامة
أذكر لكم حديثاً بالمناسبة، والحديث في صحيح مسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (من سمع المؤذن فقال: مثلما يقول ثم سأل الله لي الوسيلة وجبت له شفاعتي يوم القيامة) وما أحوج المسلم والمؤمن إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأنبياء والرسل من نوح إلى وعيسى وهم أولو العزم يطلب منهم يوم القيامة الشفاعة فلا يستطيعون التقدم لها وكل منهم يقول: نفسي نفسي! وهم أنبياء، كعب الأحبار يقول له عمر : [يا كعب ذكرنا بشيء من الآخرة، قال: يا أمير المؤمنين اعمل عمل وجل -أي عمل خائف- فو الذي نفسي بيده! إن جهنم يوم القيامة لتزفر زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر على ركبتيه جاثياً، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو جئت يوم القيامة ومعك عمل سبعين نبياً إلى جانب عملك ما ظننت أنك تنجو] فيوم القيامة يجعل الولدان شيباً، فهو مهول.مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك أين نسير؟ فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلقٌ يخشى الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور فما أشد خوف الإنسان يوم القيامة، وما أحوجه إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها تجب لمن قال هذا الدعاء عقب كل أذان، ووالله إنه لسهل، ومع عظمه أكثر الناس مفرطون فيه، دائماً الشيء الثمين الغالي الشيطان يثقله على النفس، مثل: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ونهايته تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذه في صحيح مسلم : (أن من قالها عقب كل صلاة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) فلا يقولها إلا القليل، وعقب كل صلاة بشرط أن يعدها عداً مثلما يعد الذهب، لكن من الناس من لا يقولها إلا بالتخمين، بدون عد وهذا تفريط، أين التسبيح؟! بينما إذا كان يعد الراتب، يقول: واحد اثنين، ثلاثة ويفحصها لعل أن ورقتين تلاصقتا؛ لأنها فلوس، ولو شخص سلم عليك وأنت تعد لا ترد السلام عليه، ولو أشغلك تقول له: اسكت يا أخي! دعنا نعد الفلوس، وإذا كانت مضبوطة تقول: وعليك السلام، ماذا عندك؟ لكن التسبيح سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) ويقول: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) وكان سليمان عليه السلام في يوم من الأيام يسير على بساط الريح، فحجب الريح ضوء الشمس عن مزارع في قرية من القرى فتلفت الفلاح وإذا هو يرى الريح تمشي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] فقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فسمعه سليمان فنزل، وقال: ماذا تقول؟ قال: أقول: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، قال: والذي نفسي بيده إن الكلمة التي قلتها أعظم مما أوتي آل داود.يقول عليه الصلاة والسلام: (لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) كم طلعت عليه الشمس؟ تصوروا، نأخذ الكلام هكذا، أبها هذه لحالها، ما هي أبها، لو قال شخص: سبح ونعطيك عمارة من عمارات أبها لجلس يسبح عشرين سنة من أجل أن يعطوه عمارة، فكيف مما طلعت عليه الشمس وغربت؟الجزيرة العربية كلها وليس المملكة العربية السعودية ، وما هي المملكة ؟ هي جزء بسيط في الجنوب الغربي من قارة آسيا ، وما آسيا بالنسبة للأرض كلها؟ وما الأرض كلها بالنسبة للكرة الأرضية؟ الكرة الأرضية اليابس منها خُمسان، والماء ثلاثة أخماس، واليابس ست قارات، آسيا وأوروبا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية . وما الأرض بالنسبة لبقية العوالم؟ آخر إحصائية قرأتها يقولون: إن الشمس حجمها أكبر من حجم الأرض مليون ومائتين ألف مرة، وآخر إحصائية يقولون: إنه اكتشفت الآن كواسارات، ليس مجرات ولا مجموعات (كواسارات) اكتشفت بواسطة (التلسكوب الراديوي) ليس الإلكتروني، أو البصري؟ لا. عبر الموجات، يعني يرصد الأشياء بترددات وبذبذبات الصوت، اكتشفت هذه (الكواسارات)، يقولون: إن الأرض كلها بالنسبة لها كقبضة رمل على شاطئ البحر.وهذه كلها من مخلوقات الله تعالى، لا إله إلا الله! (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مما طلعت عليه الشمس وغربت.
 السعي وراء الهداية وطلبها
بعضنا يريد الهداية وهو لا يسلك مسالكها، يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، ولكنه لا يقوم إلى الصلاة، يقول: اللهم اهدني يا رب العالمين وأنا قاعد على الأغاني، أريد أم كلثوم، أنبسط مع طلال مداح ومحمد عبده الشيطاني، اللهم اهدني يا رب العالمين، أنت لا تريد الهداية، ولو كنت تريدها لأغلقت الأغاني، الله أعطاك يداً مثلما تعرف تحركها على الأغاني حركها على القرآن، وأعطاك قدماً مثلما تحملك إلى القهوة تحملك إلى المسجد، وأعطاك عيوناً مثلما تنظر بها إلى المجلات العارية والمسلسلات انظر بها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا تشغل نفسك بالشيطان وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ لماذا لا تشغل نفسك بطاعة الله وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ تكون هناك صادقاً مثل الذي يزرع الزرع ويقول: اللهم أنبت لنا الزرع؛ ما رأيكم في شخص جاء على مزرعته ورشها بترولاً وقال: اللهم أنبت لنا الزرع، ما رأيكم أينبت له الزرع وهو يسقيها البترول؟ لا. فكيف الله يهديك وأنت تسقي قلبك بنزيناً يحرق إيمانك وهو الغناء، لا يجتمع حب الغناء وحب القرآن في قلب عبد مؤمن، والله إنه أخطر على الإنسان من كل خطير، ومن أراد المزيد في حكم الغناء فليقرأ كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، كيف أن الغناء محرم من أربعة وعشرين وجهاً شرعياً، والناس اليوم مفتونين بالأغاني، ما تمر سيارة إلا وفيها أغاني، وما تشتري من عند خباز إلا والأغاني فوق رأسك، حتى رأيتهم وهم يصلحون سقف البيت والمسجل معلق عند رءوسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كأننا أمة الغناء ولم نكن يوماً ما أمة القرآن.فهذه طريق الهداية، هل فيها صعوبة يا إخوان؟ والله ليس فيه صعوبة، إلا واحد يقول: لا أريد، الذي لا يريد فعلى ما يريد، ولن نحزن عليه، الله يقول: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] ويقول: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] ويقول: فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا [لقمان:23].. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم:44].. وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً [فاطر:39] فلا تخف على شخص رفض أن تهديه وأنت تحب له الخير ولا تحزن عليه، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقطع قلبه أسفاً وندماً وحزناً على أمته، قال الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6] أي: مهلك نفسك عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6] لا. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:127-128].
الأسئلة
.
 حكم إمامة المسبل ثيابه
السؤال: هل تصح الصلاة خلف المسبل؟الجواب: نعم الصلاة صحيحة ولكن المسبل آثم، والمسبل: هو الذي يرخي ثوبه أو (بشته) أو سرواله، أو بنطلونه، أو إزاره، وقد ورد فيها حديث، ومن أراد أن يراجع ذلك ففي رياض الصالحين، فسيجد عشرة أحاديث كلها صحيحة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم، المسبل إزاره، والمنان في عطائه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ومنها قوله عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين ففي النار) ويعجبني أحد المشايخ يقول: إن شخصاً مر على شخص يسحب ثيابه في الأرض، فأمسكه بيده وسلم عليه وقال له: النار في أرجلك، ذاك مسكين خاف يحسب أن فيها ناراً، وإذا هو يرى قال: أين النار؟ قال: النار في ثيابك؟ قال: ليس هناك نار، قال: بلى. الرسول صلى الله عليه وسلم أليس بصادق؟ قال: نعم. قال: يقول الرسول: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) والله أنت بما أسفل من الكعبين ثوبك في النار لكن ما تحس به الآن، تحس به إذا مت ودخلت القبر، أحرق الله ما تحت كعبيك، فالرجل رأساً ارتعد وذهب وقص ثوبه مباشرة.أزرة المسلم إلى نصف الساق، فإن أرخاه إلى الكعب فما تحت الكعب ففي النار، وحديث خزيمة الأسدي رضي الله عنه وقد قال عليه الصلاة والسلام (نعم خزيمة الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره، فلما سمع عمد إلى جمته فقصها، وإلى إزاره فقطعه) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل).وقد قال العلماء: إن هذا خرج مخرج التهديد، وإلا فإن الصلاة في الدنيا مقبولة ولكن تحت نظر الله يوم القيامة، يقبلها أو يردها، لكن في الدنيا يسقط عنك سيف الإسلام، وأما سيف الآخرة فلا يسقطه عنك إلا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول للذي ثوبه مسبل: عليك أن تقص ثوبك، وقد رأى عمر وهو مطعون شاباً يمشي وهو مسبل إزاره قال: [ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك، وأنقى وأبقى لثوبك] انظروا إلى الذي ثوبه طويل أول ما يتسخ من عند أرجله؛ لأنه يسحبه، ترى شكله قبيح والعياذ بالله.لكن الثوب المرتفع نظيف وطيب، وإذا صلى تجوز الصلاة خلفه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل بر وفاجر، فإن أحسن فله ولكم، وإن أساء فعليه ولكم) أي: تصح الصلاة خلف المسلم حتى ولو كان فاسقاً أو فيه معصية، لكنه يأثم ، والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الهداية [1، 2] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net