اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مفهوم العبادة للشيخ : سعيد بن مسفر


مفهوم العبادة - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
العبادة ليست شعاراً يرفع، بل هي هدف سام مرتبط بالعلم والعمل، وبدون العمل بالعلم، يصير العلم وبالاً على صاحبه، وكذلك العبادة بدون علم.والأمة تعيش في جاهلية جهلاء، ولن يخرجها من جاهليتها إلا الاهتمام بالعلم الشرعي، ونشره في جميع الأماكن، وعلى مختلف الفئات الموجودة في المجتمع، حتى يتسنى لها عبادة الله العبادة الصحيحة كما يريدها ربها.
سبيل استقامة القلوب وحياتها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة في الله! إن حاجة الإنسان إلى سماع العلم والذكر أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث، فإن ذكر الله والعلم الشرعي هو غيث القلوب، وكما أن المطر هو غيث الأرض، فإذا انحبس المطر عن الأرض اغبرت، وأُجدبت وانقطع خيرها، وتغير لونها، وانعدمت فيها الحياة، وإذا نزل فيها المطر اخضرت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج، وتغير لونها، وطابت الحياة فيها.كذلك قلوب الناس، إذا نزل عليها الذكر، والعلم الشرعي، لانت وانقادت وصلحت واستقامت، وطابت حياتها، بل الحياة الحقيقية في قلوب الناس إنما تنبع من مقدار استجابة الناس لهذا الدين، ليست حياة الناس كحياة البهائم، إن الحياة المماثلة لحياة الحشرات والبهائم حياة مشتركة، لكن للإنسان حياة أخرى غير تلك الحياة، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].
 العلم الشرعي وذكر الله
يقول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] فلا تحيا القلوب حياة حقيقية إلا بالعلم والذكر، وما يعانيه الناس اليوم من جفاف في الروح، وقسوة في القلب، وتحجر في العين، وكسل في الجوارح عن العبادة، ورغبة في الشر، وتوازن وكسل في الخير، سببه الأول والأخير نقص العلم.بعضهم يمر عليه شهر لم يقرأ القرآن، وبعضهم تمر عليه سنة لم يحمل المصحف، ولا سمع كلمة الله، ولهذا أكد الله عز وجل على هذه الأمور تأكيداً عظيماً، حتى تستمر حياة القلب، ويضمن استمرارية حياة القلب، أَما أمرنا الله بالذكر، وشرع لنا أذكاراً في الصباح والمساء، وخطبة يوم الجمعة كوجبة أسبوعية للقلب، وأكد على ضرورة الإنصات فيها، لدرجة المنع من مس الحصى، تجلس والحصى بجانبك فلا تمد يدك عليه، والرجل بجانبك يتكلم لا تقول له: اسكت، وهذا أمر بالمعروف، لكن إذا قلت: اسكت فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، لماذا؟ لكي تستمر في التركيز الذهني على سماع الخطيب.لكن ما الذي يحصل اليوم عند المسلمين، إلا من رحم الله؟ لا يخرجون إلى الجمعة إلا بعد أن يخرج الخطيب، فإذا بدأ الخطيب يخطب قام صاحبنا من النوم، واغتسل ولبس، وركب السيارة، وذهب إلى المسجد مع انتهاء الخطبة، ثم صلى ركعتين في الخانة، ثم رجع فتراه يقول: صليت الجمعة، إنه مسكين!! لم يعرف قدر الجمعة، أخي! لماذا لا تأتي من الصباح؟ كان السلف يخرجون في الساعة الأولى، ففي الحديث الصحيح: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) بعد خمس ساعات، الساعة الأولى من أول النهار، إن الذي يأتي بعد ذلك الوقت لم يقرب شيئاً؛ تطوى الصحف بما سجل.لأنه إذا دخل الإمام طويت الصحف، والذي يأتي بعد دخول الإمام، لا يسجل من السابقين، يعني: أجزأته الجمعة؛ لكن هل هو من أهل الفضل والسبق، والعمل الصالح؟! إن الذي يأتي من أجل أن يباشر هذه العبادة، فإنه يقرأ القرآن، ويصلي ما شاء الله، ثم يهيء نفسه للاستماع للخطبة، وتلقي هذه البيانات الربانية.ماذا يقول الخطيب؟ يبلغ عن الله أمره، ويقول للناس: اتقوا الله، ويبدأ بالحمد لله، ويشهد أن لا إله إلا الله، ويبين أوامر الدين، وأنت معني بهذه الأوامر، أجل هذه وجبة لك ولروحك، لكن وجبة الروح الآن ضائعة عند كثيرٍ من المسلمين، وترتب على هذا الضياع فراغ في حياة الناس، مُلئ هذا الفراغ بالأشياء الأخرى الضارة، مُلئ بالسهرات.. وبالأفلام والمسلسلات.. وبمتابعة للكرة والمباريات.. وبالجرائد والمجلات.. وبالنزهات والخروجات ... و... و... . كأن الأمة لم تخلق للدين، إن حياة الأمة فراغ لكل شيء إلا الله! وإن في ترتيبات المسلم كل شيء إلا الله! وماذا يحصل بعد ذلك؟ يموت القلب، وإذا مات القلب -والعياذ بالله- انعدمت الحياة الحقيقية عند الإنسان، يقول الله تبارك وتعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] بالدين، ويقول عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ [فاطر:19-21] ثم قال: وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22].الذي في قبره وهو ميت جسده لا يسمع، الآن تعال إلى صاحب قبر واقعد بجانبه، هل يسمعك؟ كذلك هناك ناس الآن مدفونون؛ لكن ليسو مدفونين في الأرض، إنهم مدفونون في أجسامهم يقول الشاعر:وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسادهم قبل القبور قبور إنه مقبور، إنه قبر يمشي على رجلين، قلبه ميت لا يذكر الله، لا يحب الله.. لا يحب رسول الله.. لا يذكر الجنة.. ولا النار.. ولا القبر.. ولا العذاب، كل شيء في ذهنه إلا هذه الأمور، وهو يعلم أنه سوف يموت، ولكن إذا مات ورأى الأمور على حقائقها حضر عقله، فيقول كما قال الله: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] فتسأله الملائكة: لماذا تريد أن ترجع؟ فيبين لماذا يريد أن يرجع، فلا يقول: لأرى أولادي، أو وظيفتي، أو عمارتي، أو المزرعة أسقيها، أو السيارة أسير بها، لا. لا. هذا كلام لا يريده كله، عرف أنه كان مشغولاً بما لا فائدة فيه، وإنما يقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [المؤمنون:100].حسناً اعمل الآن، ما الذي يضرك لِمَ لا تعمل، تضيع العمل الصالح، وتستمر في المعاصي والذنوب والغفلة عن الله، وتترك الطاعة، إلى أن يضرب رأسك في القبر، ثم تقول: ردوني أعمل صالحاً، من يجيبه؟ أتدرون ما مثل هذا أيها الإخوان، مثله مثل طالب مهمل من أول العام إلى آخره لم يحضر ولا حصة، ولا فتح كتاباً ولا يعرف حرفاً، ويوم جاء الامتحان دخل مع الطلاب لكي يمتحن معهم في القاعة، وأعطي ورقة الإجابة، فلما قرأها لم يعرف شيئاً، لأنه لم يدرس شيئاً أصلاً، لو أنه ذهب إلى مدير اللجنة وقال: يا أستاذ، قال: نعم، قال: من فضلك نصف ساعة، أذهب لأرى الإجابة ثم أرجع فأكتبها، ما رأيكم هل يوافقونه على طلبه؟لا. لا يوافقونه. لو وافقوه هل يسمى هذا امتحان؟ سيقول له رئيس اللجنة: اقعد على رأسك، إن كان عندك شيء فاكتبه وإذا لم يكن عندك شيء فهذا نتيجة إهمالك، وهذا هو نفس الوضع، لو أن شخصاً يعيش طوال حياته على المعاصي، وإذا مات دخل القبر فقال: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، قال الله: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].
أهمية العلم الشرعي
لماذا أيها الإخوة جفت الأرواح، وتحجرت العيون، وقست القلوب، واشتغلت الجوارح بالمعاصي، وكسلت عن الطاعات، كل ذلك بسبب نقص العلم الشرعي عند الأمة.ولهذا فإن الله تبارك وتعالى أول ما أنزل من كتابه الأمر بالقراءة قال: اقرأ! والرسول أمي لا يقرأ، وأمية الرسول صلى الله عليه وسلم دليل من دلائل نبوته، إن الله لم يجعله نبياً متعلماً، لماذا؟ لأنه لو كان متعلماً وكاتباً وقارئاً لقال الكفار: هذا من بنات أفكاره، هذا القرآن من عنده ومن تأليفه، ولهذا قال الله: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ لو قرأت وكتبت إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] ولحصل الشك.قال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49]، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمي، ويأتيه ملك الوحي، والحديث في صحيح البخاري ، وهو جالس في غار حراء ، وقد حبب إليه الخلاء صلوات الله وسلامه عليه، كان يخرج من مكة ويذهب إلى جبل النور، ويجلس في غار حراء الليلة والليالي ذوات العدد، وكان يتزود بالزاد معه، يجلس يومين أو ثلاثة أو أربعة أو أسبوعاً أو عشرة أيام وهو يتفكر لأنه ما كان يقر بعبادة الأوثان، وما كان يقر ما عليه قومه من الشرك، والكفر، والزنا، والخمر، والميسر، والقتل، كل هذه لم يقرها؛ لأن الله رباه تربية خاصة، فكان يجلس في الغار، فجاءه جبريل فضمه، يقول: (فغطني حتى نال مني الجهد -حتى بلغت نهاية التحمل- ثم أرسلني، ثم غطني، ثم أرسلني، ثلاث مرات، ثم قال لي: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ -الرسول ليس بقارئ، ماذا يقرأ؟- قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ ثلاث مرات، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ -لكن قراءة خاصة .. قراءة ربانية- اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].)إذن! الإنسان بغير القراءة والعلم لا قيمة له، الآن من منا يخفى عليه شئون الطعام أو قيادة السيارة أو الملابس؟ يعني: متخصصون في هذه الأشياء، لكن عندما تأتي إلى الناحية الشرعية الدينية، التي هي الهدف الرئيسي من خلقنا، أصبحت ثقافة الناس الآن ثقافة موبوءة، فلو طُلِبَ الإجابة على سؤال، وقيل مثلاً للحاضرين في أي مجتمع كان، لو نعزف لكم الآن طرفاً من أغنية، ونطلب من الذي يسمع العزف أن يبين لنا من المغني؟ ومن وضع الكلمات؟ والملحن؟ تجد مئات الأصابع ترتفع، كل واحد يقول: أنا أعرف، إنها أغنية فلان، ولحنها فلان، لماذا؟ثقافة موسيقية ضخمة، لأنه منكب على الأغاني ليلاً ونهاراً، مشغل جهاز الصوت في السيارة على الأغنية، ويدخل البيت على الأغنية، وينام على الأغنية، ويستيقظ ويقوم عليها، حتى أصبح رأسه أغنية، حتى إن بعضهم لا يكتفي أن يغني هو، لا. بل يريد أن تغني الدنيا كلها.وقد ذكرت هذا مرة، كنت مرة في أبها ووقفت عند إشارة مرور، وإذا بشخص بجانبي صاحب سيارة منذ أن وقف شعرت أن سيارتي تهتز، أصبحت ترقص، فطالعت كذا، فإذا بالرجل مركب في سيارته استريو على الأبواب، وفي المقدمة والخلف، ويرفع الصوت على آخر شيء، فكأن السيارة كلها تهتز، وسيارتي كأنها أصيبت بالعدوى؛ لأنها معه على أرضية واحدة، فأنزلت الزجاج وسلمت عليه، فطبعاً رآني ورأى شكلي، استحيا فخفض الصوت، قلت له: ما هذا الضجيج، قال: أيش، قلت: سيارتك ترقص كلها، يعني: لم تكتف بأن ترقص أنت، حتى الحديد تريده يرقص، بل رقصتني وأنا جالس بجانبك يا أخي! قال: يا شيخ! والله إنك تعرف الشباب، قلت: لا يا أخي! يعني شباب للنار، اتق الله، الأمة نضجت، الأمة شبعت من الأغاني، ما ضيعنا القدس إلا بالأغاني، وما حاربتنا إسرائيل إلا بجيش من المغنين والمغنيات، نحن أمة الجهاد، والدعوة، والكتاب والسنة .. رائدة قائدة، لسنا أمة مغنية وتافهة رخيصة، فلما قلت له هذا الكلام قال: جزاك الله خيراً، ثم أعطيته أشرطة إسلامية.الشاهد في الموضوع: أن ثقافة الناس مثل هذه النوعية، لكن لو تأتي بآية وتقول له: هذه الآية في أي سورة من كتاب الله؟ من يعرف؟ يتلفتون ولا يعرف أحد منهم، ابحثوا لنا عن مطوع يعرفها، وأنت؟!يعني: الدين خاص بالمطوع فقط؟ لو سألناك: أيش ديانتك؟ تقول: مسلم، حسناً هذه السورة من الإسلام، هذه من كتاب الله، هذا دينك، لكن للأسف لا يحفظ من كتاب الله شيئاً، وإنما يحفظ الأغاني، والرذائل، والحكايات، والعلوم، وأسماء المغنيين، وأسماء اللاعبين، وكل شيء إلا الكتاب، فلا يحفظ منه شيئاً، كيف يأتيه الدين أيها الإخوة؟!
 العلم الشرعي وذكر الله
يقول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] فلا تحيا القلوب حياة حقيقية إلا بالعلم والذكر، وما يعانيه الناس اليوم من جفاف في الروح، وقسوة في القلب، وتحجر في العين، وكسل في الجوارح عن العبادة، ورغبة في الشر، وتوازن وكسل في الخير، سببه الأول والأخير نقص العلم.بعضهم يمر عليه شهر لم يقرأ القرآن، وبعضهم تمر عليه سنة لم يحمل المصحف، ولا سمع كلمة الله، ولهذا أكد الله عز وجل على هذه الأمور تأكيداً عظيماً، حتى تستمر حياة القلب، ويضمن استمرارية حياة القلب، أَما أمرنا الله بالذكر، وشرع لنا أذكاراً في الصباح والمساء، وخطبة يوم الجمعة كوجبة أسبوعية للقلب، وأكد على ضرورة الإنصات فيها، لدرجة المنع من مس الحصى، تجلس والحصى بجانبك فلا تمد يدك عليه، والرجل بجانبك يتكلم لا تقول له: اسكت، وهذا أمر بالمعروف، لكن إذا قلت: اسكت فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، لماذا؟ لكي تستمر في التركيز الذهني على سماع الخطيب.لكن ما الذي يحصل اليوم عند المسلمين، إلا من رحم الله؟ لا يخرجون إلى الجمعة إلا بعد أن يخرج الخطيب، فإذا بدأ الخطيب يخطب قام صاحبنا من النوم، واغتسل ولبس، وركب السيارة، وذهب إلى المسجد مع انتهاء الخطبة، ثم صلى ركعتين في الخانة، ثم رجع فتراه يقول: صليت الجمعة، إنه مسكين!! لم يعرف قدر الجمعة، أخي! لماذا لا تأتي من الصباح؟ كان السلف يخرجون في الساعة الأولى، ففي الحديث الصحيح: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) بعد خمس ساعات، الساعة الأولى من أول النهار، إن الذي يأتي بعد ذلك الوقت لم يقرب شيئاً؛ تطوى الصحف بما سجل.لأنه إذا دخل الإمام طويت الصحف، والذي يأتي بعد دخول الإمام، لا يسجل من السابقين، يعني: أجزأته الجمعة؛ لكن هل هو من أهل الفضل والسبق، والعمل الصالح؟! إن الذي يأتي من أجل أن يباشر هذه العبادة، فإنه يقرأ القرآن، ويصلي ما شاء الله، ثم يهيء نفسه للاستماع للخطبة، وتلقي هذه البيانات الربانية.ماذا يقول الخطيب؟ يبلغ عن الله أمره، ويقول للناس: اتقوا الله، ويبدأ بالحمد لله، ويشهد أن لا إله إلا الله، ويبين أوامر الدين، وأنت معني بهذه الأوامر، أجل هذه وجبة لك ولروحك، لكن وجبة الروح الآن ضائعة عند كثيرٍ من المسلمين، وترتب على هذا الضياع فراغ في حياة الناس، مُلئ هذا الفراغ بالأشياء الأخرى الضارة، مُلئ بالسهرات.. وبالأفلام والمسلسلات.. وبمتابعة للكرة والمباريات.. وبالجرائد والمجلات.. وبالنزهات والخروجات ... و... و... . كأن الأمة لم تخلق للدين، إن حياة الأمة فراغ لكل شيء إلا الله! وإن في ترتيبات المسلم كل شيء إلا الله! وماذا يحصل بعد ذلك؟ يموت القلب، وإذا مات القلب -والعياذ بالله- انعدمت الحياة الحقيقية عند الإنسان، يقول الله تبارك وتعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] بالدين، ويقول عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ [فاطر:19-21] ثم قال: وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22].الذي في قبره وهو ميت جسده لا يسمع، الآن تعال إلى صاحب قبر واقعد بجانبه، هل يسمعك؟ كذلك هناك ناس الآن مدفونون؛ لكن ليسو مدفونين في الأرض، إنهم مدفونون في أجسامهم يقول الشاعر:وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسادهم قبل القبور قبور إنه مقبور، إنه قبر يمشي على رجلين، قلبه ميت لا يذكر الله، لا يحب الله.. لا يحب رسول الله.. لا يذكر الجنة.. ولا النار.. ولا القبر.. ولا العذاب، كل شيء في ذهنه إلا هذه الأمور، وهو يعلم أنه سوف يموت، ولكن إذا مات ورأى الأمور على حقائقها حضر عقله، فيقول كما قال الله: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] فتسأله الملائكة: لماذا تريد أن ترجع؟ فيبين لماذا يريد أن يرجع، فلا يقول: لأرى أولادي، أو وظيفتي، أو عمارتي، أو المزرعة أسقيها، أو السيارة أسير بها، لا. لا. هذا كلام لا يريده كله، عرف أنه كان مشغولاً بما لا فائدة فيه، وإنما يقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [المؤمنون:100].حسناً اعمل الآن، ما الذي يضرك لِمَ لا تعمل، تضيع العمل الصالح، وتستمر في المعاصي والذنوب والغفلة عن الله، وتترك الطاعة، إلى أن يضرب رأسك في القبر، ثم تقول: ردوني أعمل صالحاً، من يجيبه؟ أتدرون ما مثل هذا أيها الإخوان، مثله مثل طالب مهمل من أول العام إلى آخره لم يحضر ولا حصة، ولا فتح كتاباً ولا يعرف حرفاً، ويوم جاء الامتحان دخل مع الطلاب لكي يمتحن معهم في القاعة، وأعطي ورقة الإجابة، فلما قرأها لم يعرف شيئاً، لأنه لم يدرس شيئاً أصلاً، لو أنه ذهب إلى مدير اللجنة وقال: يا أستاذ، قال: نعم، قال: من فضلك نصف ساعة، أذهب لأرى الإجابة ثم أرجع فأكتبها، ما رأيكم هل يوافقونه على طلبه؟لا. لا يوافقونه. لو وافقوه هل يسمى هذا امتحان؟ سيقول له رئيس اللجنة: اقعد على رأسك، إن كان عندك شيء فاكتبه وإذا لم يكن عندك شيء فهذا نتيجة إهمالك، وهذا هو نفس الوضع، لو أن شخصاً يعيش طوال حياته على المعاصي، وإذا مات دخل القبر فقال: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، قال الله: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].
الداعية واغتنام الفرص
يقول أحد الإخوة -وقد كان في قاعة أفراح- يقول: دخلت قاعة الأفراح، وإذا هي مملوءة بالرجال، وكل واحد يتكلم مع الذي بجواره، وهم ينتظرون العشاء، يقول: فتدخلت، وقلت: هذا وقت ضائع يستفاد منه في الدين، فقال للناس وهم جلوس: يا جماعة الخير، الآن نعيش هذا الوقت في انتظار العشاء، فما رأيكم لو استفدنا من هذا الوقت؟ قالوا: جزاك الله خيراً، قال: كلكم والحمد لله مسلمون، وسمعتم من الخطب، والمواعظ، والمحاضرات، والدروس الشيء الكثير، منذ خلقنا الله ونحن نسمع، الآن أطلب منكم شيئاً واحداً، قالوا: ما هو؟ قال: أريد من كل واحد منكم أن يأتي بحديث مما يعرف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقط حديث واحد، هل أنتم مستعدون؟ قالوا: مستعدون، قال: ونبدأ الآن من جهة اليمين.وبدأنا بشخص من جهة اليمين، من غير ترتيب، هذا الشخص طبعاً يبحث ويبحث، قال: يا شيخ! فاجأتني الآن لا أعرف حديثاً واحداً، يمكن عنده لكن حين فاجأه لم يتذكر، قال: تدري يا شيخ، قال: ماذا. قال: انقل السؤال للذي خلفي، فنقل السؤال للذي وراءه، قال: هل عندك حديث؟ ظل يفكر، ثم قال: الذي ورائي، والذي خلفه قفز وهرب كي لا يلحقه السؤال، وكل شخص بدأ يتهرب ويبحث، وفجأة الذي بعده وجد حديثاً واحداً بعد ساعة، حسناً هذه أمة الإسلام لا تعرف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؟
 تعدد وسائل نشر العلم الشرعي
عند إعادة الحلقات، والثقافة الإسلامية، فإنه قد هيأ الله تبارك وتعالى للناس من الفرص والإمكانيات ما لم يكن مهيئاً في الماضي، الآن أساليب طلب العلم الشرعي معك، تشتري الشريط بأربعة أو خمسة ريالات، وتذهب إلى البيت وتشغله. يشتغل ما لم تغلقه، ما يغضب عليك، ولا تعشيه ولا تغديه ولا ترحب به ولا شيء.من يمكن يدرس أهلك في البيت بخمسة ريالات، لو أخذت عالماً تقول: والله يا شيخ! تعال أريدك، فإنه يشغلك: يريد عشاءً، ومبيتاً، ويجلس يتكلم مع المرأة، وإذا أسكته غضب منك، لكن لا! شريط بخمسة من الريالات، فيه محاضرة تسمعها أنت وأهلك، ومتى تسمع؟إذا لم تتمكن من الاستماع في البيت، وذلك لوجود بعض الموانع، فخذ زوجتك معك في السيارة وأسمعها الشريط؛ لأنها لا تستطيع أن تستمع مع وجود الأطفال.وتشتري الكتيب! الآن الكتيبات هذه يسمونها الوجبات السريعة، لأن عصرنا هذا عصر السرعة، لأنه لا يستطيع أحد أن يقرأ في المجلدات، ولذلك فقد قام العلماء وطلبة العلم باختصار هذه المواضيع، وتقديمها كتيبات للناس، عندما تدخل المكتبة تخرج مالاً من جيبك، وتشتري مجموعة من الكتب في جميع الفنون بمائة، تبني مكتبة بقيمة كبش، الكبش بأربعمائة ريال، لكن لم تشغلنا إلا بطوننا.أنا سألت أحد الأشخاص قلت له: يا أخي كم مضى عليك من حين اشتريت شريطاً؟ قال: من العام الماضي، معه شريط بخمسة خلال سنة، لعله سمعه مرة ورماه.قلت: حسناً واللبن متى اشتريتم؟ -اللبن بأربعة ريالات- قال: أشتري كل ليلة علبتين بثمانية ريالات، يشتري لبناً كل يوم بينما في السنة شريطاً واحداً بأربعة ريالات، كم أعطينا للروح وكم أعطينا للجسد؟للجسد تسعة وتسعون في المائة من الراتب، وللروح واحد في المائة، وليته يصفى حتى الواحد في المائة.إن من النافع والمفيد أن نستمع إلى الشريط الإسلامي، ونقرأ الكتاب الإسلامي، ونسمع إذاعة القرآن الكريم، وقد هيأ الله عز وجل في بلدنا المبارك هذا إذاعة متخصصة في نشر الدين الإسلامي، اسمها (إذاعة القرآن الكريم)، تفتتح برامجها الساعة السادسة صباحاً، وتختتم برامجها الساعة الثانية عشر مساءً، ثمانية عشر ساعة، تبث بدون توقف لا تبث كلمة فيها شر.حتى الموسيقى التي تأتي قبل الأخبار، ممنوعة فيها فلا توجد، ليس هناك إلا قال الله، قال رسوله، وبرامج إسلامية، هذه اعتبرها مدرسة في البيت بل كما قال ابن باز -رحمه الله-: إنها جامعة. لكن هذه المدرسة نسميها الإذاعة اليتيمة، لا أحد يحبها إلا من رحم الله، وإذا جاء المؤشر على إذاعة القرآن، تراه يحرك المؤشر على إذاعة أخرى، تبث الأغاني والموسيقى.أمة هزيلة مريضة، المريض لو تعطيه الشحم لا يأكل منه؛ لأنه مريض لكن لو كان صحيحاً، لكان مثل البعير، يأكل الأخضر واليابس، الأمة يوم أن كانت حية، كانت تقبل على القرآن والسنة والعلم، لكن لما مرضت، ذهبت نحو الأطعمة السامة، أقبلت على الأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والخزعبلات، وإذا جيء لها بالقرآن وبالسنة أعرضت عنهما، والسبب في ذلك أمراض القلوب، التي تؤدي عند الاستمرارية إلى موت القلوب -والعياذ بالله-.فيا إخوتي في الله! أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجزي خيراً من سعى إلى إنجاح هذا المجلس، وهم الإخوة القائمون على التوعية الإسلامية في سلاح الحدود، والمسئولون عنها، هؤلاء يدركون أهمية هذه الدورس، ويعرفون قيمة الدعوة، وضرورة حياة القلوب عن طريق العلم الشرعي.
الطريق إلى السعادة الحقيقية
وأنا أقول لكم أيها الإخوة: إذا أراد الإنسان منا أن يحيا الحياة الإيمانية.. الحياة الحقيقية.. الحياة التي تكسبه السعادة في الدنيا والآخرة.. يسعد في هذه الدنيا بالإيمان.. ويسعد عند الموت حينما يموت وهو يقول: لا إله إلا الله.. ويسعد حينما يدخل القبر، ويجيب على الأسئلة؛ لأنه تعلم الإجابة في الدنيا فإذا قيل له: من ربك؟ فإنه قد عرف من هو الله، ما دينك؟ من نبيك؟ فتراه يجيب، هنالك يقول الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].ويكون من السعداء يوم تقوم الساعة، ويخرج من قبره، والملائكة تطمئنه، وتقول له: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:98-72].ليس بما كنتم تلعبون وتسهرون، إنه لمن العبث -يا أخي- أن تضيع عمرك في السهر على الورق، بعضهم يمضي أربع أو خمس ساعات من بعد العشاء إلى الفجر، وهو يلعب الورق، والنهاية ماذا؟ قال: والله خسرت، هل هذا كلام؟؟لو رأيت أولادك يلعبونها مع أنهم أصحاب قيم، وأصحاب مبادئ، وأصحاب مراتب، وأصحاب رتب فماذا تقول لهم؟ تقول: والله كنت أحسب أنكم رجال، لكن وجدتكم أطفالاً، يا أخي! هذه ليست لكم، هذه مكعبات، الغرض منها إلهاء الأولاد؛ لأن الولد لا يستطيع أن يبني بيتاً كبيراً، فتراه يبني له بيتاً صغيراً على قدر عقله ومعرفته، لكن أنت أيها العاقل! لماذا لا تشتغل بحفظ كتاب الله؟ والله إنه لمن العار على الواحد أن يكون عمره أربعين أو خمسين سنة ولا يحفظ جزء عمّ، وإذا قدم للصلاة خبط في الآيات، أين أنت طول حياتك؟ لماذا لم تحفظ كتاب ربك؟ ما الذي أشغلك عن الله تبارك وتعالى؟ولكي نحيا الحياة الحقيقية، ونسعد السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، علينا بالرجوع إلى العلم، وطلبه، والعمل والتطبيق، فيما نتعلم من شريعة الله عز وجل. وحتى يمكن وضع برنامج، أو تصور بسيط لطلب العلم، نبدأ بالبدايات البسيطة:
 العلم بعقيدة أهل السنة والجماعة والسيرة النبوية
الرابع: كتاب في العقائد، لكي تكون عقيدتك قوية، وأحسن كتاب ندل عليه الناس الآن، كتاب اسمه: معارج القبول في شرح سلم الوصول للشيخ/ حافظ الحكمي ، عالم من علماء المملكة توفي رحمة الله عليه، وهو من أهل المنطقة الجنوبية، من أهل جيزان ، عالم عظيم، ألف رسالة اسمها سلم الوصول ، ثم قام بعد ذلك بشرحها في مجلدين وهو موجود في الأسواق، أو في ثلاثة مجلدات كما في بعض الطبعات، تأخذ منه عقيدة أهل السنة والجماعة .أيضاً كتاب خامس، ينبغي أن يكون عندك، وهو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كتاب اسمه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ، هذا مختصر سيرة الرسول، يأتيك بجميع أحداث السيرة وأسرارها، والمعاني المقتبسة منها، تضع هذه الخمسة الكتب عند رأسك.وتأخذ بعض الكتب الأخرى مثل: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـابن القيم لأنه علاج القلوب، يبين لك أسباب المعاصي، وعقوبات المعاصي، وزاد المعاد في هدي خير العباد لـابن القيم يبين لك هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنا أضمن أن تشتري هذه الكتب كلها بما لا يزيد عن مائتي ريال، يعني: بقيمة نصف كبش، تكوِّن مكتبة إسلامية عند رأسك، وتتعلم وتعلم زوجتك، وأولادك، وينور الله بصيرتك، ويحيي الله قلبك، وتصبح إنساناً مرموقاً، تصبح لك أهمية، تصبح ثقافتك ثقافة إيمانية، لك قيمة، ووضع، ومعنى في الحياة.لكن بغير العلم والدين ما هي قيمة الإنسان؟ والله ليس له قيمة، ولا له أي معنى، لماذا؟ لأنه تافه، لأن اهتماماته تافهة، وأمانيه تافهة، اهتماماته كلها، أن يأكل ويشرب ويتزوج ويرقد، هذه اهتمامات الكفار التي يعملونها ويسعون لتحقيقها، لكن عندما تكون اهتماماتك من النوع الإيماني، أن تعبد الله، وتدعو إلى الله، وتستقيم على منهج الله، وتربي أهلك على طاعة الله، وتربي أولادك لتخرج للمجتمع رجالاً فضلاء ينفعون الناس.لكن بعض الآباء لا. لا يهمه إلا أن يأكل ويشرب، بل يخون الأمانة، ويورد على أهله الشر، وبلغ الناس مبلغاً لا يتصوره العقل، لا يمكن أن رجلاً عاقلاً يخاف الله، ويؤمن به يشتري صحناً للاستقبال، والبعض يسميه طبقاً، وفعلاً هو طبق الشيطان، أحضر الشيطان في هذا الطبق، جميع الشرور الموجودة في العالم، وأفلام الجنس والمسلسلات الخليعة التي تبث في العالم كله يجمعها هذا الطبق، طبق الشيطان.ويحضرها لأولاده وزوجته فتراهم يتنقلون عبر الموجات عن طريق الزر، ينتقلون عبر هذه القنوات فلا يجدون إلا الشرور، يقول شخص من الناس: أدخلته إلى البيت فأفسد عليَّ الأسرة في شهرٍ واحد، ولدي والله كان ترتيبه الأول، بعد إدخال هذا الصحن الخبيث وبعد شهر، صار ترتيبه الحادي عشر، والشهر الثاني يطردونه من المدرسة، يقول: آمره بالنوم فيتناوم، وبعد ذلك أذهب كي أنام، وإذا به يقوم ولا ينام، أراقبه في الصباح فإذا به عند التلفاز، بل يقول: أنام أنا بنفسي، وزوجتي بجانبـي وأعلم أنها بجانبـي، يقول: وأقوم نصف الليل، وأتلفت ولا أجد زوجتي، ذهبت لمشاهدة الفيلم، هربت وذهبت تنظر إلى المسلسل.مصيبة يا إخواني! أليس هذا من خيانة الإنسان لدينه وتضييعه لأمانته؟ والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] كيف تقيهم النار؟ بتعليمهم الشرع والدين: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ليست حطباً ولا خشباً، بل هي حجارة؛ حجارة النار من الكبريت، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! أحجارة النار مثل حجارة الدنيا؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيده! لصخرة من صخر النار أعظم من جبال الدنيا بأسرها) هذه التي تشتعل على الكافر في النار، والفاسق والعاصي، عليها ملائكة موكلون بالتعذيب، من هم؟ مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].غلاظٌ في التعامل، شداد في الخلقة، يقول: لو أخرج واحد وجهه على أهل الأرض لماتوا من تشويه خلقته، وليس عندهم مجاملات ولا حسابات: هذا من الجماعة، ولا ينفع هاتف، ولا شيء: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].تورد أهلك النار؟ الله يقول: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] وأنت تورد نفسك وأهلك النار، وتشتري ما يقودك إلى النار؟ قولوا لي بربكم أيها الإخوة: هل الذي يعرض في هذه الأطباق والصحون خير أم شر؟ شر. وهل نحن بحاجة إلى شر حتى نستورد الشر، لا والله، نحن نحتاج إلى الخير، ولا نحتاج إلى الشر.هذا وأسال الله الذي لا إله إلا هو، أن يجزي من كان سبباً في إقامة هذا المجلس خيراً، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يحيي قلوبنا بنور العلم والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مفهوم العبادة للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net